الأحد، 21 أكتوبر 2012

دكتاتورية " الأقلية الديمقراطية"


دكتاتورية " الأقلية الديمقراطية"

د.مصعب ابو عرقوب
تغيرت مفردات النقاش بعد الربيع العربي لتطال مصطلحات عميقة كالدستور وشكل الدولة والأغلبية والأقليات  وغيرها من المصطلحات الجديدة، لتعكس بذلك حالة الحراك الفكري التغييري الذي يجتاح الأمة التي سبقت بتحركها وعراقة أفكارها المتجذرة في صدور شعوبها كل المتحذلقين والمضبوعين بالثقافة الغربية البعيدة عن أصالة الشعوب التي تحركت في ميادين التحرير تستنشق عبق مجد وتحرر افتقده عبر عقود التبعية العجاف، لتنفث الجماهير  بهتافات "ارفع رأسك" و "علي صوتك" حمما تعبر بها عن اعتزازها بنفسها واستعادة ثقتها بشبابها وقدرتها على التغيير وصناعة مستقبل واعد.
وبتلك الهمة العالية والثقة بثقافتها وصلاحية مبدئها كدستور ونظام حكم وطريقة عيش تختلف عن الغرب ، انتخبت تلك الشعوب الثائرة من قدموا أنفسهم على مر السنين  بأنهم يريدون تطبيق الاسلام وإعادة الحياة الاسلامية بنظمها وتشريعاتها وعدلها وعزتها إلى حيز الوجود عبر إقامة دولة إسلامية ، وانحازت شعوب الربيع العربي بمشاعرها الإسلامية النبيلة إلى من أحسنت بهم الظن ليوصلوها لذلك النموذج الذي يسكن عقول وقلوب الشعوب في بلادنا ، نموذج يتطابق مع أصالة افكارها وعراقتها ويؤرخ لمجدها وعزها ،فاختارت الشعوب الإسلاميين وانتخبتهم لتوصلهم الى سدة الحكم بأغلبية ساحقة .
أغلبية احتار دعاة الديمقراطية في تسميتها ووقفوا أمام "ديليما"... أومعضلة محرجة،  فإما أن يعلنوا عدم رضاهم بخيار الشعوب وفي ذلك  "كفر بالديمقراطية "التي يدينون بها ،أو يستسلموا لخيار أمة تريد العودة لمبدئها فتذوب الديمقراطية وتنتهي في بلاد الإسلام .
وفي خضم ذلك الحراك الفكري  وقف دعاة الديمقراطية ليعلنوا أن الأغلبية التي انتخبت الخيار الإسلامي  " أغلبية غير ديمقراطية " فلا يجوز لها أن تفرض خياراتها على بقية الشعب وعلى الأقلية التي وبنفس المنطق ينطبق عليها تسمية " الاقلية الديمقراطية " ، وبذلك تناقض دعاة الديمقراطية مع أس مبدئهم وانقلبوا على ما يعتقدون به من أحقية الاغلبية في الحكم " وسن القوانين " وفرض طريقة معينة من العيش ترتضيها الأغلبية لنفسها ، وأصبح في منطقهم الدكتاتوري التسلطي فرض رؤية " الأقلية الديمقراطية " طريقة عيش على الأغلبية هو عين المنطق و التحضر و الطريقة الوحيدة للتقدم والنهوض.
طريقة تريد تلك "الأقلية الديمقراطية" فرضها على الأغلبية التي تؤمن بطريقة اخرى للعيش و وضعت خياراتها وأمانيها  في صناديق الاقتراع علها توصل  تلك الأماني في التحرر و الانعتاق من التبعية للمستعمرين إلى موقع القوة والتنفيذ، فالإسلام كطريقة عيش تتناقض في جوهرها ومضمونها وتجلياتها مع الأفكار الديمقراطية التي تجعل التشريع للبشر وتطلق العنان للشهوات والتفلت والشذوذ تحت مسمى الحريات الشخصية.
حريات قيدها الاسلام بالأحكام الشرعية التي تشكل منظومة راقية تصاغ ضمنها حياة الأمة وأسلوب عيشها بما يضمن صلاح الفرد والمجتمع على حد سواء  ، فطريقة اللبس والإحتشام والزواج والأحكام المنظمة للأسرة  والميراث والنفقة وأنواع الملكية وأسبابها ، وشكل الدولة وأجهزتها ومناهج التعليم فيها ، وسياستها الخارجية والداخلية وعلاقتها بغيرها من الدول،وتوزيع الثروات على الأمة ،وكيفية استعادة الحقوق وتحرير الأرض والمقدسات ،وحمل الإسلام رسالة للعالم ..كل ذلك مقيد بنظام خاص منبثق عن عقيدة الأمة ومبدأها ،ذلك الإسلام هو الذي تريده الأمة وهو الحصن لهويتها والحامي لعقيدتها وأفكارها وقيمها، ذلك مطلب الأغلبية وصوتها الذي عبرت عنه في الإنتخابات بعد الثورات .
 إلا أن الغريب أن صوت تلك الأقلية الديمقراطية كان أقوى وأكثر نفوذا من صوت أغلبية الشعب ، فالإعلام تهمين عليه تلك الأقلية " الديمقراطية " ،والعسكر لا يفكر إلا في خياراتها وحماية مشروعها المتمثل في " الدولة المدنية " والوصاية على " صياغة الدستور " وحفظ حقوق تلك الأقلية ، و " الزعماء الجدد"  الذين أفرزتهم تلك الانتخابات انقلبوا على "الأغلبية غير الديمقراطية " أي على خيارات الأمة التي انتخبتهم ، وأصبح جل همهم إرضاء  تلك الأقلية والإنصياع لإملاءاتها والتعهد لها بان الأغلبية غير الديمقراطية بل والأمة كلها ستعيش على الطراز الذي تحدده تلك الأقلية المتنفذة والقوية لدرجة الدكتاتورية والتسلط.
تلك الدكتاتورية و ذلك التسلط الذي اكتسبته  " الأقلية الديمقراطية " عبر عقود من علاقة آثمة مع الأنظمة السابقة  التي كانت تشاركها الحكم والمناصب والثروة و مراكز النفوذ وتشكل فريق المعارضة الدستورية للنظام في اللعبة الديمقراطية لإضفاء الشرعية على النظام وأهله من الطغمة  الحاكمة .
 وتعدى دورها في أواخر عصر الأنظمة المنهارة حتى أصبحت "الخيار الديمقراطي" للغرب المستعمر بعد احتراق الأنظمة المتهالكة أمام شعوبها ، فكانت تلك الأقلية الديمقراطية بما تجسده على الأرض من مؤسسات مجتمع مدني ومراكز بحوث وتجمعات شبابية ونواد اجتماعية كانت بمثابة عصى بيد المستعمر الغربي مسلطة على تلك الأنظمة والزعماء لضمان تبعيتهم للغرب من جهة والإحتفاظ بالخيار الديمقراطي من جهة أخرى كورقة لاستبدال ما احترق من أوراق الأنظمة والزعماء التابعين لها .
وباحتفاظها بتلك العلاقة المزدوجة مع الأنظمة والغرب أصبح لتلك الأقلية نفوذ خشيته الأنظمة وتفانت في إرضائها ،  ذلك لأنها البديل إن هبت رياح التغيير ،وعصى بيد الغرب يلوح بها دائما ،فهي تعيش في كنف ثقافته وتحت حمايته وتموليه ،وهي ليست "إرهابية" فلا يستطيع أن يصفها النظام بالتطرف والأصولية ليعتقلها أو يقتلها أو يقمعها ويجفف منابعها إن ضجت في وجهه وعارضته  في مسرحيات المعارضة واعتصاماتها وكثرة انتقاداها  فتلك الأقلية  وقبل كل شيء... ديمقراطية !!.
ديمقراطية...وهي ذات الكلمة السحرية التي جعلت لتلك الأقلية نفوذا حتى بعد سقوط تلك الطغمة الحاكمة ،  فالنظام لم يسقط وبقي ديمقراطيًا ، ومن وصل للحكم بالأغلبية تنكب لها وخاطب ود الغرب المستعمر الذي ما زال متنفذا في بلادنا عبر بعض رجاله في المؤسسات العسكرية والجيوش وعبر ما وضعه من أنظمة " ديمقراطية " تضمن بقاء رجاله وتابعيه في السلطة.
  ولم يجد" الزعماء الجدد" المنتخبون  قناة لمغازلة الغرب إلا عبر ذلك البديل للأنظمة  الذي صنعه وجهزه عبر عقود في بلادنا متجسدا بتلك الأقلية الديمقراطية، فعادت تلك الأقلية  لتفرض وبشكل دكتاتوري قبيح مشروعها الغربي وارتباطها السياسي والاقتصادي بالغرب المستعمر لتشكل استنساخا مفضوحا للأنظمة التي ثارت عليها الشعوب وملاذًا أخيرا لربط بلادنا بالمستعمر الغربي الطامع .. في تجاهل واضح لرغبات الأغلبية و شوقها في الانعتاق من كل تبعية وارتهان للمستعمر .
وأصبحت الأغلبية بذلك المنطق  غريبة مُخَطّأةً في خياراتها ،فالحرية و الإنعتاق والعيش بطراز آخر ليس خيارا ضمن تلك المنظومة الديمقراطية التي ثارت عليها الشعوب ،والأغلبية وإن اختارت العيش بطريقة لا تتفق مع الغرب ومعتقداته وطريقة عيشة ونظام حكمه فإنها تحارب ويشكك في صحة خياراتها ،وتوصف بعدم الوعي ويتمادى بعض المنضبعين بثقافة الغرب وديمقراطيته فيصفون الشعوب بالتخلف والأمية ليفرضوا على الأمة الوصاية، ذلك أن الأمة وحسب منطقهم الغريب الشاذ....أغلبية "غير ديمقراطية " .
إلا أن مصطلح الأغلبية غير الديمقراطية الذي تفتقت عن أذهان تلك الأقلية المتنفذة يضع النقاط على الحروف إن أُخذ على محمل الجد من ناحية فكرية ولم يبق في إطار الأعذار الواهية التي تقدم لتغيير خيارات الأغلبية والالتفاف عليها  وتكبيل إرادة الشعوب ومنعها من العيش بالطريقة التي تريد .
 فالمصطلح يوضح معالم الصراع الحقيقي ، فالأغلبية غير الديمقراطية لا تدين حقا بالديمقراطية ،ولا تريد أن تعيش في ظل نظام ديمقراطي يستنسخ النظام الذي ثارت عليه ، ولا ترغب في المحافظة على نفوذ الغرب  وفلوله وشركاته الرأسمالية التي تنهب ثروات البلاد وتستعبد أهل البلاد  .
فأهل البلاد الذين يشكلون " الأغلبية غير الديمقراطية " لا يرون في الديمقراطية الغربية الوحشية  نموذجا إنسانيا يحتذى ،ولا يرون في الأنظمة الديمقراطية التى ثاروا عليها إلا الظلم والتبعية والفقر والذل والمهانة ، ولا يرون في الأقلية الديمقراطية إلا مجموعة من فلول الأنظمة السابقة والمعتاشين على تمويل الغرب والمرتبطين بتنفيذ خططه ومؤامراته التي تضمن مصالحه ونفوذه في بلادنا.
وتلك الأقلية تضم في ثناياها كل  المضللين والمضبوعين بثقافة الغرب والمنسلخين عن أمتهم وثقافتها وكل اولئك الخائفين من التغيير من "المعتدلين" ،أو من ينتظرون الخيانة للغرب ليصلوا على دباباته ليحكموا تلك الشعوب التي إن اختارت ما تريد أصبحت تسمى ..."أغلبية غير ديمقراطية " .
لكن تلك الأغلبية تحركت وانتفضت ومازالت تنهض ،وينزل شبابها إلى ميادين التحرير ليعيدوا صياغة عالمهم غير الديمقراطي في دولة واحدة ..دولة الخلافة التي ستحكمهم بأحكام غير ديمقراطية ، أحكام منبثقة من عقيدتهم التي آمنوا بها وتربوا عليها بشريعة وأنظمة سامية تلقتها الامة من نبي أمي  لا ينطق عن هوى بشر أو ثقافات شيطانية استبدادية بل هو وحي من الخالق العلي القدير.
وحي نزل للبشرية بأنظمة بعيدة عن الشهوات والنزوات والتخبط والمادية والتسلط والقهر والظلم ،فطبقت تلك الأنظمة على مدى عقود عاشت فيها الإنسانية أبهى عصورها في ظل حكم الإسلام العادل الذي ضمن لكل مواطنيه بغض النظر عن أديانهم العدل والأمن والرفاهية والعيش الكريم ، وما لم تقام تلك الدولة الواحدة الموحدة لآمال الأمة الثائرة ويصاغ ذلك العالم الذي ينزل شباب الأمة إلى ميادين التحرير لصنعه ..فالأغلبية ستبقى دوما غير ديمقراطية...والثورة يجب أن تستمر .
د.مصعب ابو عرقوب
19-10-2012

الاثنين، 15 أكتوبر 2012

الغوغائية العالمية.. و الثورات


الغوغائية العالمية.. و الثورات

     د.مصعب ابو عرقوب


وقفت وزيرة الخارجية الأمريكية لتلقي ما يشبه الأوامر على " الزعماء الجدد" في دول الربيع العربي، فقالت بلهجة السيد الآمر "إن على زعماء مصر وليبيا واليمن وتونس أن يبذلوا قصارى جهدهم لاستعادة الهدوء ورفض استبداد الغوغاء" ، والغوغاء كلمة يصف بها مفكرو الغرب ونخبهم في معظم الأحيان الشعوب الثائرة ، فقد نقل المفكر الايرلندي الشهير أدموند بيرك عن الثائر الفرنسي قوله: "إن الغوغاء تملأ الشوارع ، علي أن أكتشف إلى أين ستتجه لأني أنا القائد"، ولا يعد تناقض بيرك في مهاجمته للثورة الفرنسية وتأييده للثورة الأمريكية اقل تناقضا من تصريحات كلينتون وسلوك الولايات المتحدة الأمريكية .
 وتظهر جذور ذلك الفكر وتلك العقلية في التعامل مع الجماهير في فكر بيرك  الذي ينعكس في تصرفات وتصريحات كلينتون وغيرها من قادة الغرب  فقد كان بيرك يرى  أن "مطالب الشعب إذا توافقت مع استمرار الحكم والدستور والقانون ومبادئ العدالة والعقل تصبح بمثابة قوانين تقيد الطبقة الحاكمة" ويبدو جليا من هذه الأفكار أن مطالب الشعوب إن لم تتوافق مع "استمرار الحكم والدستور" فإن الشعوب الثائرة يمكن أن يطلق عليها "الغوغاء".
فالشعوب الثائرة ...غوغاء  إن لم تحافظ على مصالح الدول الرأسمالية وقيمها المادية ومنظومة الحكم والدساتير والقوانين  التي تضمن تسلط الرأسمالية الإستعمارية وشركاتها المتوحشة  العابرة للقارات وتبعية الأنظمة الحاكمة في بلادنا وموالاتها للغرب الرأسمالي، فالثوار إن تعدوا حدود تلك التبعية وطالبوا بأسلوب عيش يختلف عن الرأسمالية والديمقراطية، أو هبوا للدفاع عن قيم روحية عقائدية لا تعترف بها الرأسمالية المادية   ...الثوار حينها وفي نظرهم  غوغاء مستبدون .
غوغائية واستبداد دعت كلينتون الزعماء الجدد في دول الربيع العربي للوقوف أمامها ورفضها،  إلا أنها ومع إدانتها للفلم المسيء للإسلام  ووصفها إياه "بالفيلم المقرف والمدان الذي يبدو أن هدفه السخرية الشديدة والإساءة إلى دين عظيم وإثارة الغضب، إلا أنها مع ذلك أضافت أن "الإدارة الأمريكية لا تستطيع السيطرة على إنتاج الشرائط المسيئة أو بثها على مواقع مختلفة على شبكة الإنترنت..، لا سيما أن حرية التعبير من القيم الأساسية في المجتمع الأمريكي".وقد شاركها الرئيس الأمريكي اوباما في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الإدانة بوصفه للفلم بأنه "شريط فيديو فجّ ومثير للاشمئزاز وعلى نفس المنوال أضاف "إنني أعرف أن هناك بعض الذين يتساءلون لماذا لا يمكننا مجرد حظر عرض هذا الفيديو. الجواب على ذلك مكرس في قوانيننا: دستورنا يحمي الحق في ممارسة حرية التعبير."

وحرية التعبير... قيمة عظمية لدى الولايات المتحدة الأمريكية  !!، والإدارة الأمريكية إذ تحمي "الأفلام المقرفة والمدانة" "الفجة والمثيرة للاشمئزاز"  ولا تستطيع السيطرة عليها فإن ذلك يأتي تحت ذريعة احترام قيمها المزعومة والحرص على عدم تجاوزها ، إلا أنها وفي نفس الوقت تطلب من "الزعماء الجدد" في دول الربيع العربي أن يسيطروا على شعوبهم الثائرة التي خرجت من أجل الدفاع عن قيمها الحضارية والروحية التي يسيء لها الفلم المدان، في تناقض واضح "فج" كثرت أمثاله في تصريحاتهم ...فكيف لدولة لا تستطيع أن توقف فلما تدينه متذرعة بالحفاظ على قيم مزعومة أن تطلب من أمة كاملة أن تتوقف عن محاولة التصدي لهجوم على قيمها وحضارتها؟ ، فهل للولايات المتحدة الأمريكية الحق في الدفاع عن قيمها "المزعومة " ولا حق لأمة أخرى أن تثور للدفاع عن قيمها !!.
والدفاع عن "حرية التعبير" التي تقف حارسا لتلك الأفلام "المقرفة والمدانة"هي مهمة الدولة التي "تحمي الدساتير"  كما أكد اوباما، فخرج الفلم تحت رعايتها وحمايتها،  لكن المفارقة تكمن في أن  الشعوب التي ثارت لا تجد لها دولة تحمي قيمها أو تذود عنها عوضا عن نشرها والدعوة لها، فأتت ردودها عفوية "غير منظمة" على مستوى دولة كالدولة الأولى التي تنظم ردودها وتحمي قيمها وتعمل على نشرها في العالم بطرق "منظمة جدا" لا مجال فيها ....للرحمة.
فالفلم وإن عكس سلوكا "غوغائيا" فإنه لا يمثل إلا نزرا يسيرا من منظومة القيم المادية التي تحميها الدول الرأسمالية المتوحشة وتعمل على نشرها في أنحاء العالم لضمان سيطرتها ونفوذها وحماية مصالحها على حساب الشعوب المظلومة ودماء المساكين والفقراء والمعذبين الذين يكابدون ضنك العيش برسم الخصخصة والعولمة ونشر الديمقراطية و فتح الأسواق وتحرير المرأة، وغيرها من القيم التي نشرتها بطرق أقل ما يقال عنها أنها  "غوغائية".
والغوغاء عند العرب "الجراد حين يخف للطيران"، واستعير للسَّفلةِ من الناسِ والمُتَسَرِّعين إلى الشرِّ ، وصف وان كان قبل ظهور الطائرات بدون طيار التي تنشر القتل والتدمير في أفغانستان وباكستان واليمن والصومال وغيرها من الدول التي تعاني ويلات الغوغائية الأمريكية...  إلا أنه وصف قد يختزل سلوك الرأسمالية عبر عقود من الزمان استبدت فيها وتسلطت على رقاب الإنسانية في مسلسل من الجرائم والحروب لا ينتهي.
فقد جاب جراد الرأسمالية الجشع العالم نهبا وسلبا وقتلا وتدميرا، وإشاعة للرذيلة والشذوذ الجنسي والاتجار بالبشر واستغلالا للأطفال كعمال بقوت يومهم في مناجم الشركات الرأسمالية، جاء ذلك في ظل تطبيق عملي لمادية ذلك المبدأ الذي جعل من كل شيء سلعة اقتصادية تباع وتشترى، فلا قيمة  للبشر والشعوب في قاموس ذلك المبدأ، وإن قضوا بالملايين تحت قنابلهم الذرية في هيروشيما وناكازاكي أو نتيجة لتجاربهم العلمية على البشر، أو لقنابلهم العنقودية في فيتنام وغيرها من الدول التي ذاقت مرارة الغوغائية الأمريكية والاستعمارية الغربية، التي أبادت الآلاف  في الهند وإفريقيا واستعبدت الملايين  لتزود مصانعها بالمواد الخام وتسيطر على الموارد الطبيعية لتلك الشعوب الضعيفة .
شعوب كاملة عبر العالم ذاقت ويلات الحروب الأهلية والقتل والتعذيب والإبادة نتيجة تنفذ سفراء الولايات المتحدة الأمريكية  ووكالة استخباراتها وتدخلها لتغيير حاكم هناك يخدمها ويذود عن مصالحها، ليعمل وكيلا لشركاتها وسمسارا دنيئا على ثروات بلده ومقدراتها، كل ذلك وأكثر ذاقته شعوب أمريكا اللاتينية وإفريقيا وشعوبنا  تحت شعارات نشر القيم "الديمقراطية ..وحق تقرير المصير"، لتصل في قمة غوغائيتها إلى احتلال مباشر لأفغانستان والعراق، فلم تعد بعد ذلك الإرهاب والقتل والتدمير  أخبار وصور معتقلاتها السرية والطائرة وغوغائية جيوشها وسجانيها في أبو غريب وغوانتاناموا وسلوكهم المشين يشكل أي خدش للقيم الأمريكية أو الأوروبية  التي تعودت على إهانة الشعوب وسحق البشر ومهاجمة كل القيم والنظر بعنصرية مقيتة لكل من لا يشاركها قيمها المادية المتوحشة،
عنصرية أعمت أبصار القادة في الغرب عن تلمس ذلك الفارق بين الحضارة والغوغائية بين الرقي والمادية بين التضحية والانتهازية بين الإنسانية والوحشية، بين الإسلام الرحيم والرأسمالية المتوحشة، بين القيم السامية  والشذوذ، فالشعوب التي انتفضت واحتجت لقيم روحية أرقى من تلك الدول و شركاتها وذلك الجراد المنتشر .
 فالأمة الإسلامية أمة متحضرة خرج غنيها وفقيرها للدفاع عن قيم روحانية عقدية، ولم يخرجوا من أجل النفط والشهوات والنزوات المادية العنصرية التي تقدس الأنانية و الفردية على حساب صلاح المجتمع ورقيه الروحي، فأي فكر وأي حضارة تلك التي تخرج الملايين عبر العالم من أجل قيمة "عقدية روحية" غير الحضارة الإسلامية. وأي أمة تلك التي تتحرك وتنتفض لقيمها غير الأمة الإسلامية ؟.
 فالشعوب الثائرة افتقرت لحاكم يثأر لها من الغوغائية، فحكامها وكلاء للغوغائية العالمية أو خائفون منها، لكن الأمة الإسلامية إذ تشق طريقها الآن عبر ميادين التحرير لتضع قيمها ومشروعها الحضاري موضع التطبيق، تسير وبخطى ثابتة  نحو عدل الإسلام ورحمته مقابل مادية الرأسمالية وتوحشها، لتنقذ البشرية من غوغائية الرأسمالية وتغول جرادها المنتشر في أصقاع الدنيا .. وتقلع جذور الغوغائية من بلادنا لتعود بذلك خير أمة أخرجت للناس تحمل العدل والروحانية التي تطمئن لها النفوس رسالة للبشرية المعذبة.
وإلى أن يطير الجراد من بلادنا، وتقام دولتنا التي تحمي عقائدنا وقيمنا وتعمل على نشر الرحمة والإنسانية والعدل في العالم كله...إلى أن تقام الخلافة الراشدة الموحدة لجهود الأمة وطاقتها..إلى ذلك اليوم سيظل واجبا على الأمة أن تنتفض... وعلى الثورة أن تستمر.
12-10-2012
د.مصعب أبو عرقوب 

الأربعاء، 22 أغسطس 2012

الانتخابات الأمريكية والربيع العربي


الانتخابات الأمريكية والربيع العربي


د. مصعب ابو عرقوب
سعى الواصلون لسدة الحكم في ظل "الربيع العربي" الى تقديم الضمانات والتعهدات "للمجتمع الدولي"، وطمأنة الغرب والشرق على مصالحهم في بلادنا، وجاءت تلك التعهدات  في خضم الثورة وخلال الحملات الانتخابية وعند تسلم السلطة على شكل لازمة لا مفر منها.
وتكررت تلك  التعهدات على ألسنة "الزعماء الجدد" حتى أخذت شكل قسم أبقراط قبل مزاولة المهنة، لتضيف لمسرح نقل السلطات وتغيير الأشخاص مشهدا ثابتا يقسم فيه "الزعماء الجدد" ويتعهدون بالالتزام بالمعاهدات الدولية، وعدم التدخل في شؤون الغير، والحفاظ على مدنية الدولة وديمقراطية النظام واحترام حقوق الأقليات، وعدم المساس بالتزامات النظام السابقة...وغيرها من بنود "قسم مزاولة مهنة الزعامة السياسية بعد الثورة".
زعامة تتناقض بقسمها هذا وتعهداتها تلك مع ثورية الشارع وروح التغيير الجذري التي تجتاح الأمة، فبعد أن ركبت تلك القوى موجة التغيير ووصلت لسدة الحكم  أبقت على جذور النظام وأركانه، وتعهد "الزعماء الجدد" بالوفاء والالتزام والمحافظة على شبكة الارتباطات الخارجية للأنظمة السابقة، تلك الشبكة من العلاقات التي ضمنت ارتهان الأنظمة السابقة  وتبعيتها للدول الاستعمارية التي دعمت وجودها وساهمت في ترسيخ أركانها، ذلك لأنها لم تكن إلا  الحارس الأمين على مصالح الدول الاستعمارية في بلادنا، جاء ذلك التعهد على شكل ضمانات بالالتزام بالمواثيق الدولية والمعاهدات الموقعة من قبل الأنظمة السابقة.
تعهدات أربكت بعض الثوار الحقيقيين وشتت بعض  الأنظار عن التغيير الجذري الذي يجب أن تصل إليه الثورة بعد تلك التضحيات الجسام، وقد ساهمت أبواق الأنظمة المتهاوية وبرغماتية بعض "الزعماء الجدد" وارتباطات بعضهم الآخر بشبكة النظام السابق في الترويج لضرورة تقديم تلك التعهدات وفي صناعة الخوف والرعب من التغيير الجذري، وادارة الظهر لعلاقات الأنظمة السابقة مع الدول الاستعمارية، ففشل الثورة وتحلل الدولة والحرب الأهلية والاقتتال وانهيار الاقتصاد وتهديد السلم العالمي واستقرار المنطقة، مخاطر على الأبواب إن لم تقدم تلك التعهدات والالتزامات.
فقد بلغ التهويل ومحاولة الاقناع بضرورة تلك التعهدات مبلغا قد يتصور معه أنه لا وجود لدولة إلا عبر تقديم فروض الطاعة "للنظام الدولي" والتعهد للعالم بعدم تهديد أية مصلحة لأية دولة، وإتباع أسلوب عيش يتناسب مع أسلوب الدول الأخرى ولا يتعارض مع قيمها ونظرتها للحياة والمجتمع، وجاءت تعهدات "الزعماء الجدد" لترسخ ذلك المنطق الأعوج .
وبذلك المنطق التهويلي الأعوج كان لابد لمرشح الرئاسة الامريكي، ونحن في ظل الحملة الانتخابية للرئاسة الامريكية، أن يقدم الضمانات والتعهدات  للعالم والمجتمع الدولي ولدول الربيع العربي والعالم الاسلامي بشكل خاص - كأحد أهم مصدر للطاقة والثروات التي تؤثر في الاستقرار الاقتصادي والسياسي للعالم- ففي ظل ذلك المنطق وأسوة "بالزعماء الجدد" على المرشح الامريكي للرئاسة أن يحمل برنامجه الانتخابي تلك التعهدات والضمانات.
وعلى المرشح الامريكي بحسب ذلك المنطق الذي سار عليه "الزعماء الجدد" أن يبدأ حملته الانتخابية بقوله: "أتعهد أن لا تشكل الولايات المتحدة الامريكية تهديدا للسلم العالمي، من خلال التزامي بالعمل على تقسيم الولايات المتحدة الى بضع وخمسين دولة مستقلة حتى لا تعود أمريكا دولة قوية تهيمن على العالم وتسيطر على الأمم الأخرى، وسيكون لكل دولة علم خاص يسمى علم الاستقلال، وسيزين علم دولة واشنطن هلال أخضر ليكون عنوان للتفاهم  ورمزا للتسامح مع الشعوب التي قهرت تحت ظل العلم القديم في افغانستان والعراق وغيرها من الدول، وأتعهد بتفكيك السلاح النووي حتى لا تتكرر المأساة التي ارتكبتها جيوشنا في هيروشيما ونكازاكي، وسنسمح لتونس ومصر وقطر والسعودية وليبيا وغيرهم من الدول بإقامة قواعد عسكرية  ثابتة على أراضينا لضمان الاستقرار في المنطقة، ومنع أية محاولة لإحياء الامبراطورية الامريكية، وسندعم جمعيات تحفيظ القران الكريم ونشر تعاليم الإسلام السمحة في اطار تمكين مؤسسات المجتمع المدني، وسنغير المناهج الدراسية لتتلاءم مع القيم الإسلامية والانفتاح على الاخر، وسنضبط لباس المرأة لتلتزم باللباس الساتر حفاظا على مشاعر المسلمين الزائرين لبلادنا .."!!!.
وقد يضيف المرشح الامريكي لتعهداته ليطمئن العالم على شكل النظام وعلاقاته مع العالم فيقول: "سأعمل على تغيير النظام الجمهوري وتحوليه إلى "نظام حكم إسلامي" حتى لا تتحكم الشركات الرأسمالية في النظام الاقتصادي وتستغل الشعوب الفقيرة، وأتعهد أن يكون نائب الرئيس مسلما للمحافظة على حقوق الأقليات ودورهم في بناء المجتمع، وأتعهد بتمكين الشركات الخليجية وغيرها من شركات النفط من استخراج النفط وتصنيعه من حقول النفط في تكساس حتى لا تحتكر الشركات الأمريكية الانتاج فتتحكم في اسعار النفط ..، وستكون قناة بنما شاهدة على سلاسة الحركة التجارية وإزالة كل العوائق أمام المنتجات العالمية لتصل للمستهلك الأمريكي"!!.
ولإثبات صدق توجهاته قد يصرح مرشح الرئاسة الامريكي فيقول: "سأرسل وفدا من الكونغرس الامريكي يمثل الأغلبية لزيارة البرلمان المصري والتونسي وغيرهما من المجالس النيابية ليشرح صدق نوايا وتوجهات وتعهدات الرئاسة الامريكية أعلاه، وسنضع على جدول أولوياتنا زيارات دورية لوزراء خارجية مصر وتونس وليبيا وقطر للاجتماع مع هيئة الاركان الأمريكية أو "المجلس العسكري الأمريكي" لوضع الخطط الأمنية الكفيلة بحفظ مصالح تلك الدول في بلادنا، وسنضمن كامل الحق لسفراء تلك الدول في الاطلاع ومتابعة تعهداتنا السابقة"!!!.
وقد يتوجه مرشح الرئاسة الأمريكي بعد تلك التعهدات لشعبه فيقول: "إن الالتزام بتلك التعهدات هو مصلحة حيوية للشعب الأمريكي، وإن عدم الالتزام بها يشكل تهديدا وجوديا للأمة الامريكية، وكبادرة حسن نية مع الشعوب الإسلامية التي حاربنها عقودا سنطبق الشريعة الاسلامية،...لكنني اتعهد لكم بالتدرج في تطبيق الديمقراطية التي تؤمنون بها، إلى أن تنضج الظروف المحلية والدولية المحيطة التي تسمح بتطبيق الديمقراطية كنظام وأسلوب حياة، فتطبيق الديمقراطية الآن يعيد للأذهان ذكريات افغانستان والعراق ...وغوانتاناموا ..وأبو غريب وغيرها، ولنطلق عليها تسمية الشورى حتى لا تثير النزاعات الطائفية "!!!.

هكذا ....نعم هكذا وبهذا السخف سيبدو خطاب المرشح الأمريكي للرئاسة إن احتكم لذلك المنطق الغريب الذي روج له كل من قدم تلك التعهدات وكل من حاول أن يقنع شعبه بضرورة تقديمها والالتزام بها، فمرشح الرئاسة الأمريكي لا يسعى بحال من الاحوال الى استرضاء شعوب غير الشعب الأمريكي ولا يضع في اعتباراته غير المصلحة الأمريكية ولا يرى في طمأنة أي أحد فريضة عليه، سوى طمأنة وتامين مصالح  الناخب الأمريكي ومستقبله، ولا يعبأ بأي أمة أخرى في رحلة خدمة الشعب الامريكي والسهر على مصالحه.
 هنا ...وتحت هذا الاختبار البسيط الذي يفرز المنحاز لمصالح أمته عن غيره من الذين اختاروا السير في ركاب الأنظمة السابقة...هنا تسقط أعذار كل الاطياف التي تنادي بضرورة الالتزام بتعهدات الأنظمة السابقة وطمأنة الغرب والشرق على مصالحهم في بلادنا، تسقط كل تلك الأطياف وان اختبأت تحت مسميات العلمانية أو الوطنية أو الديمقراطية أو اليسارية أو حتى الإسلامية المعتدلة، فكل تلك المسميات تصبح أداة أو امتدادا للأنظمة السابقة التي كانت تستمد شريعة وجودها من ارتباطها بالغرب ومحافظتها على المعاهدات الدولية وسهرها على مصالح الدول الاستعمارية في بلادنا تحت مسميات "السلام والاستقرار العالمي ومكافحة الارهاب" .
إلا أن بعض السباقين لأداء قسم "مزاولة مهنة الزعامة بعد الثورة " قد يُرجع حرص مرشح الرئاسة الامريكي على مصالح دولته فقط، وعدم تقديمه أية ضمانات للعالم إلى كون الولايات المتحدة الامريكية هي الدولة الأولى في العالم، ويسقط ذلك العذر القبيح أمام حقيقة أن كل دولة، مهما كانت صغيرة، وكل قيادة مخلصة مهما قلت امكانياتها، لا تحرص إلا على مصلحة شعبها.
فالشعوب التي كسرت حواجز الخوف وتسعى للتخلص من حياة العبيد التي عاشتها في ظل تلك الأنظمة البائدة، ستلتف حول قيادة تريد الانعتاق من التبعية والذل، واسترداد ثروات الأمة المنهوبة، وتلك الأعذار والتعهدات تتناقض مع جوهر الثورة وتلتقي مع  منطق التبعية وإلحاق الشعوب بمنظومة العبودية من جديد عبر الالتزام بما خط في زمن الاستعمار بأيدي أتباعه ، فمطالبة العلمانيين واليساريين بضرورة اعطاء التعهدات والالتزام بشكل الدولة حتى يرضي الغرب، اعلان حرب على الثورة وشوق الشعوب للانعتاق نهائيا من العبودية للغرب، ومحاولة لتكبيل ارادة الثوار في التغيير الجذري.
إرادة تسعى حركات "الإسلام المعتدل" من طرفها أن تكبلها عبر تقديمها لنفس التعهدات، وبذلك فإنها تضيف لتناقضها مع ارداة الشعوب في الانعتاق التام من التبعية للغرب تناقضا صريحا مع ما تعتقد من عقائد ومع ما تحمل من ثقافة تملي عليها أن النصر يكون حليف أمة الإسلام فقط، إن هي التزمت إسلامها نظاما ومنهاج حياة، وتوجهت لخالقها بالانصياع لأوامره وتطبيق شريعته، ومعارك بدر وحنين واليرموك والقادسية وغيرها الكثير تحمل دورسا لطالما تغنت بها حناجر بعض "الزعماء الجدد"، فالنصر والتمكين عند الأمة الإسلامية له معادلة مختلفة لا تمر عبر الاتفاقيات الدولية ولا تعبأ بالتوازن العددي بقدر ما تعبأ بنصر الحق والثبات على المبدأ.

فالثبات على المبدأ كفيل بتحقيق النهضة والنصر، والارتماء في أحضان المستعمرين والعمل على طمأنتهم وتأمين مصالحهم لن يجلب للأمة الإسلامية إلا مزيدا من التبعية والارتهان للغرب والشرق، فلا بد للأمة الإسلامية، وهي على طريق استعادة سلطانها وإرادتها التي سلبت، أن تدرك أن النهضة لن تكون إلا بقلع جذور الاستعمار من بلادنا، وتطبيق الإسلام جملةً وتفصيلا، والتعهد لخالقها فقط بإقامة دولة الخلافة التي توحد المسلمين في دولة واحدة تكون ثمرة الربيع العربي وحصاد التضحيات الاليمة لشباب الأمة في ميادين التحرير، و بذلك تحقق مشروعها النهضوي وتحمل الإسلام رسالة نور للعالم،  وما لم يتم ذلك التغيير الجذري والانعتاق التام...

فالثورة يجب ان تستمر
20-8-2012

الأربعاء، 18 يناير 2012

الاعتدال في زمن الثورات!!


الاعتدال في زمن الثورات!!

                                                                                                                        د. مصعب ابو عرقوب
" الاعتدال كلمة يحب عملاء الاستعمار استخدامها ، فالمعتدلون.. هم كل اولائك الخائفين أو الذين يفكرون في الخيانة بشكل من الاشكال ، اما الشعب فليس معتدلا على الاطلاق ".
قد يكون ذلك الوصف للمعتدلين الذي توصل له جيفارا عبر تجربته الثورية في الوصول الى الحكم موضوعيا في ظل الربيع العربي ، فالطريق للسلطة وسدة الحكم شاقة عسيرة، مليئة بالمغريات.. تحفها المخاطر والمؤامرات ، تكشف عن معادن الرجال... والحركات ، فاما ان يثبت " الثوري " على مبادئه فيوصف بالارهابي الرجعي ...او يتنازل عنها فيصل للحكم سريعا ، وينضم الى جوقة الانظمة المعتدلة !!.
و الثورات في ربيعنا لم تكن الا على انظمة لطالما وصفت بالمعتدلة ، فالنظام التونسي شكل نموذجا للاعتدال "العربي " في اتباعه لسياسة "تجفيف المنابع" - منابع ثقافة الامة واتصالها بهويتها العقدية - ، ومبارك المخلوع كان عراب الاعتدال وزعيمه عبر تاريخه المتخم بطقوس الاعتدال.. مرت عبر مشاركته في حرب الخليج وحصاره لغزة وامداده الغاز "لاسرائيل" على حساب شعبه ، ..والقذافي باع وطنه وشحن اسلحته بطائرات للغرب ليلحق بركب المعتدلين متخليا عن شعاراته الكاذبة.
شعارات لم تسعف النظام السوري المعتدل وان تستر بممانعة كاذبة خاطئة ،لم تسفر يوما عن استعادة ارض او تهديد عدو محتل ، حتى غدا انهيار النظام امام الثورة "تهديدا وجوديا لاسرائيل وامنها "!!، وقد شكل سلوك الانظمة العربية نموذجا صارخا لعملاء الاستعمار أو" للمعتدلين" ، الذين باعوا البلاد واراقوا دماء العباد على مذبح مصطلحات مضللة كالاستقرار ، والديمقراطية والحفاظ على موازين القوى و علمانية الدولة ، والانفتاح على الاخر ، واحترام المعاهدات الدولية والالتزامات الاممية والقوانيين العالمية... ومحاربة الارهاب والتطرف .
مصطلحات يختبئ المعتدلون ورائها ، فهي بضاعتهم الرائجة التي اخفت ورائها تبعية للمستعمر ، وترسيخا لوجوده على ارضنا، واستماتة في تنفيذ خططه للمحافظة على مصالحه في عالمنا العربي والاسلامي ، وللحيلولة دون نهضة الامة ووحدتها ، وهي ذات المصطلحات التي يطرحها بعض " المعتدلين في زمن الثورات " اما لتبرير تنازلاتهم المبدأية في طريقهم للوصول الى سدة الحكم ، أو لشرعنة عودة الانظمة السابقة بلباس جديد .
فالساحة في الربيع العربي لم تخل من معتدلين مردوا على الاعتدال من فلول الانظمة المتهاوية، ..وزارء سابقين واعوان وبلاطجة يتقافزون عبر المنابر الاعلامية والاروقة السياسية والسفارات الاجنبية والعواصم الغربية لامتطاء ثورات الشعوب وتركيعها تارة ، ومطالبة غيرهم بالاعتدال تارة اخرى للحفاظ على مصالحهم الشخصية ومصالح اسيادهم المستعمرين التي باتت مهددة بثورة الشعوب وسعيها للتحرر واستعادة السيادة والارض وتشوقها للانعتاق من التبعية للغرب .
سعي جدي للتحرر وشوق للانعتاق من التبعية والتشرذم تخطه الامة بدماء ابنائها في ميادين التحرير ..لم تتلقفه تلك الحركات التي أوصلتها الامة عبر صناديق الاقتراع الى مكان متقدم في السلطة ولم تقدره حق تقديره ، فانطلقت كالسهم باتجاه الاعتدال ، فاعلن حزب النور في مصر التزامه الاتفاقيات الموقعة مع "اسرائيل" ،وتراجعت حركة النهضة عن تطبيق الشريعة و تحالفت مع قوى تخالفها على الاقل نظريا في الفكر والتصورات ، دون ان تكلف تلك الحركات نفسها عناء الالتفات الى مصير الانظمة المعتدلة التي اطاحت بها الشعوب التي انتخبتت لاحقا تلك الحركات دون غيرها وهي التي كانت توصف بالتطرف والارهاب !!.
فالشعوب "ليست معتدلة على الاطلاق " ، فقد انتخبت وباغلبية كاسحة من وصفوا دوما بالتطرف والارهاب!!، وما دامت تلك حال الشعوب فعلى تلك الحركات أن تتعظ !! ، فانها ان بدأت بالتخلي عن مبادئها ونزعت للاعتدال في سبيل تأمين وصول سلس ويسير للحكم ، فانها لا بد ستشهد سقوطا مريعا ، فالشعوب التي ثارت على انظمة عميلة للاستعمار تحت ستار الاعتدال لم تعد تنطلي عليها الاعيب "الخائفين أو من يفكرون بالخيانة " ، وعبر سنوات من عمل المخلصين لامتهم اصبحت الامة تميز وبجدارة بين الاعتدال كخيانة وبين التحرر والانعتاق والوحدة في كيان واحد كخيار وحيد لنهضتها وتحررها ، وباتت الشعوب تملك من المقاييس ما يجعلها قادرة على التمييز وبسهولة بين "المعتدلين" والمخلصين للامة .
فحدود سايس بيكو ،ومعاهدة كامب ديفيد ، والقدس و تحرير الارض المباركة ، وتطبيق الشريعة ، ومحاربة الفساد ومحاكمة الطغاة ، وتحرير البلاد ، وتوزيع الثروات، والعلاقة مع ما تبقى من الانظمة العميلة للغرب ، والموقف من الغرب الطامع المستعمر، ...مناهج التعليم ، السيادة على الارض وفي السماء ، كلها اختبارات بسيطة تجريها الشعوب ، ليفشل فيها كل المعتدلين او من يفكرون في ..الخيانة .
اختبارات لن ينجح فيها الا من يحمل مشروعا نهضويا ينبع من ثقافة الامة وعقيدتها ،مشروع يتجسد في دولة الخلافة التى تعبر عن طراز مختلف في الحكم والادارة ، يوحد الامة ويفعل طاقات ابنائها ويعيد ثرواتها وارضها، ويقدم للعالم نموذجا حضاريا للعدل و القيم الروحية والانسانية متجلية في تطبيق الاسلام كمبدأ ونظام حياة امام وحشية المادية الراسمالية التي اوردت الانسانية المهالك.
والى ان تُفَعِل الامة مشروعها الحضاري سيسقط كل المعتدلين على الطريق ،وستستمر الشعوب في ثورتها ، فالسلطان للامة ...والامة ليست معتدلة على الاطلاق.!!.
11-1-2012
د.مصعب ابو عرقوب

الخميس، 1 سبتمبر 2011

مدفأة الماغوط وثلاجة المخابرات


                     مدفأة الماغوط وثلاجة المخابرات                                                                                                                                            د. مصعب أبو عرقوب

"كانت الدنيا برد وشتوية، كان في حزب البعث والحزب القومي ...حزب البعث في حارة بعيدة وَحْل وكلاب تعوي.. وجانب بيتنا الحزب القومي وفيه صوبيا.. دخلت فيه." بأسلوبه البسيط المعبر يروي الشاعر والأديب السوري الراحل محمد الماغوط قصة دخوله عالم السياسة.
عالم وإن اعترف الماغوط بدخوله عبر حزب لم يقرأ مبادئه فصار من سجن إلى سجن، إلا أنّ صدق ذلك الشاعر وبساطة طرحة اختزلت ذلك العالم وتلك التجربة، فصارت كلماته أشبه برموز تختصر المشهد السوري، وقد تعبر نوعا ما عن بعض آفاق التغيير وجذور الثورات ودوافع التحركات.
قرب ودفء جذبا ذلك الشاب ودفعاه لعالم السياسة، ولن ترضى الشعوب الثائرة بأقل من ذلك، فالأمة قد افتقدت دفء الحاكم الذي يرعى مصالحها، وشعرت على مدى عقود من الحكم الجبري الديكتاتوري غياب الراعي الذي يتفقدها إن هي مرضت ... يمسح على رأسها إن لم تجد ما تأكل، يدافع عنها إذا ما ادلهمت الخطوب وصالت جيوش الأعداء في الديار، يرعى أبناءها الخريجين العاطلين عن العمل ... يعيد فلذات الأكباد من بلاد المهجر ... يعيد الجولان ... فلسطين ... العراق ... وسائر البلدان، بل إنّ الأمة قد أدركت أنّ الحاكم المستبد وراء كل مصيبة تكابدها.
فغاب ذلك الدفء الذي يجب أن يغلف العلاقة بين الحاكم والمحكوم، فالأنظمة الحاكمة بتبعيتها للغرب لا تمثل تطلعات الأمة للوحدة وآمالها في التحرير والعيش بعزة وكرامة، فانقطعت أواصر القرب، وانسلخ الحاكم نهائيا عن الأمة وأصبح أقرب إلى صف الأعداء منه إلى صفوف شعبه وأمته، بعيدا كل البعد عن طموحات شعبه ومتطلبات شباب أمته.
بُعدٌ، وغياب دفء شكلا دافعا قويا للتحرك والبحث عن التغيير والتخلص من تلك الأنظمة الدكتاتورية التي أصرت رغم بعدها عن الأمة وبرودة جوارها أن تسلك كل الطرق في سبيل تثبيت حكمها، طرق وأساليب ساذجة لن تزيد تلك المسافة بينهم وبين الشعوب إلا طولاً وتلك العلاقة إلا برودة.
بُرودةٌ، تشبه تلك التي يشعر بها المعتقلون السياسيون عند وضعهم في "ثلاجة المخابرات"، وهي غرفة أعلى مبنى المخابرات العامة الفلسطينية في الخليل، أداة للضغط والعقاب والتطويع، تلتقي في برودتها وسذاجة صانعيها ومستخدميها مع كل أدوات القمع والترويع والتنكيل التي لا تزيد الشعوب إلا إصرارا وحماسة ومثابرة في السعي للانعتاق من ذلك الظلم وتلك الأنظمة الوحشية.
أنظمة تفتقد إلى أدنى أنواع الشعور بالإنسانية أو احترام الشعوب، سادرة في غيّها، تفتقر إلى أي رؤية "عقلانية أو منطقية " في قمعها الذي فاق كل خيال، تعاند التاريخ والحقائق السياسية وتظن أنّ القتل والترويع وهدم المساجد والاعتقال والاغتصاب قد يوقف عجلة التغيير أو يرهب شعبا شعر بالدفء يسرى في أوصاله؟؟
فقد تنزع الشبيحة حنجرة الشهيد إبراهيم قاشوش، لكنها والنظام بعيدة عن انتزاع تلك الثقافة والقيم المتجذرة في الشعوب، فلن تستطيع أن تنفذ إلى عقول وقلوب شباب أمة تتحرك، وتتلمس ذلك القرب من أمجادها وعزها المسلوب، وذلك الدفء الذي يلف مدنها... وإن كانت تحت القصف، فالكل أفاق على رائحة المجد والحرية تهب من ثنايا تاريخ أمة انطلق علماؤها وقادتها من الجامع الأموي موحدين للأمة ومحررين.
فالأمة الإسلامية ورغم كل محاولات التغريب والتشتيت والهجمات الثقافية المتتالية عبر المناهج المستوردة والفضائيات المستأجرة والجمعيات المشبوهة وعبر حرب العقول والقلوب التي شنها العالم الغربي على الأمة وقيمها ومعتقداتها وأسلوب عيشها، ومحاولة الغرب فرض أسلوب حياته وطراز عيشة وثقافته على الأمة، وسعيه لإلغاء ومحو ثقافة الأمة وطراز عيشها، إلا أنّ الأمة ما زالت تشعر بذلك القرب والدفء مع قيمها التي لم تستطع ثقافة الغرب وقيمه تقديمهما لها، فالغرب لم يقدم عبر ثقافته لنا إلا التدمير والاحتلال وسلب الثروات والدعم والتدريب لتلك الأنظمة الدكتاتورية المنفصلة عن ثقافة الأمة وتاريخها.
فالأمة الإسلامية تمتلك ثقافة عريقة، ضاربة جذورها في صدور أبنائها، كفيلة بإعادتها إلى مكانتها المرموقة، ترسم لها طريقا قريبة المنال، تفضي إلى العيش في ظل حاكم واحد يرعى شأنها ويعيد ذلك الدفء الذي افتقدته ردحا من الزمان ويأخذ بيدها فتتفجر طاقات شبابها لترجع سيرتها الأولى... أمة واحدة ناهضة متقدمة في العلم والسياسة وكافة مجالات الحياة، فتحاول الأنظمة القمعية عابثة الحيلولة دون ذلك، وتستميت في معركة تدلل كل الحقائق على أنها لا محالة خاسرة.
فالتاريخ أعمق من أن تنتزعه أيدي الشبيحة والبلطجية، وثقافة الأمة وقيمها وعقيدتها أرسخ من أن تزحزحها دبابات النظام ومدافعه، وحماسة الشباب وحرارة صدورهم أعظم من أن تُبردها "ثلاجة المخابرات ".

الخميس، 11 أغسطس 2011

طريقة واحدة لإخماد الثورات !!!

طريقة واحدة لإخماد الثورات !!!

الدكتور مصعب أبو عرقوب

"هؤلاء جاؤوا بالعدل، والعدل تربة تموت فيها الثورات، أما غدا، إذا ما ظهر منهم الظلم فستشتد ثورتنا، ونجد من يؤازرنا"، تلك حقيقة سطرها بكلمات مقتضبة أمير اسباني في الأندلس عشية فتحها، فقد لمس الإسبان ذلك العدل الذي حمله الفاتحون، وتلك القيم الإنسانية التي بهرت البشرية واستمالت العقول، وقد صدق ذلك الإسباني نفسه وشعبه بإقراره بعدل الفاتحين، واستصعابه الثورة ضدهم في ظل ما جاؤوا به من عدل.

وعلى النقيض من ذلك فإنّ الظلم الذي جاءت به الأنظمة الحاكمة في العالم العربي شكل تربة خصبة لاندلاع الثورات التي نعيش، وحمل بذور ثورة لن تهدأ إلا ببزوغ العدل ورجوع الأمور إلى موازينها القسط، فقد قُسمت أمة واحدة إلى دويلات إقليمية متناحرة على خريطة سايس بيكو، وسُلبت ثرواتها واحتلت أرضها ومقدساتها، واتخذت الأنظمة التابعة للمستعمر من الظلم شرعة ومنهاج حياة.

فكان الاستعمار ظلم لا مثيل له في تاريخ البشرية، أنتج أنظمة جائرة تتصرف بمقدرات الأمة وكأنها ملك خاص، وتتالت الأحداث ليصبح الظلم مسلسلا ... من تهجير شعب كامل أمام أعين العالم وإبادة قرى كاملة ...إلى المذابح واحتلال الأرض في العراق وأفغانستان إلى قنابل الفسفور في غزة إلى الحصار، إلى الأنظمة والقوانين التي أعطت الشرعية للظلم وجعلت من البلاد وكالات ودكاكين لمافيا العائلات الحاكمة.

وقد وقفت تلك العائلات حارسة على ذلك الظلم وكرسته من خلال شكل الحكم والأنظمة والقوانين والدساتير الوضعية التي ضمنت بقاءها، وارتباطها العضوي بالمستعمر الطامع في بلادنا تحت مسمى القوانين الدولية والمجتمع الدولي، مسميات سلبت الأمة سلطانها وسيادتها واقتحمت عليها ثقافتها، فضيعت فلسطين من خلالها واحتلت العراق تحت ستارها، وقسمت السودان تحت وطأتها، وسرقت الثروات باسمها، ووصف بالإرهابي والأصولي كل من وقف في وجهها.

كل ذلك، شكل التربة الخصبة لاندلاع الثورات، فكان لا بد أولا من إسقاط الأنظمة الحارسة للظلم والمكرسة له، بيد أنّ ذلك لا يعني أنّ العدل سيضرب أطنابه في بلادنا على الفور، فالثورات لن تخمد حتى" يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه".

فقد تهدأ بعض الثورات حينا، إلى أنها ما تلبث أن تستعر، وتبقى الأمة في حالة عدم استقرار إلى أن تشعر بالعدل واقعا ملموسا في حياتها، ولن يتجسد ذلك إلا بالتخلص من منظومة الحكم البائدة واستبدالها بمنظومة جديدة تكفل العدل والاستقرار وتعيد للأمة مكانتها بين الأمم.

وهنا، تعقد الأمة بأصالتها ووعيها المكتسب من نضالات المخلصين من أبنائها مقارنات ومفاضلات، بين ماضيها وإرثها الحضاري العريق وبين ما يُطرح عليها من نظم وأشكال حكم عقيمة مجربة، فالعدل متجذر في حضارة لا ينسى أهلها قول نبيهم "لو أنّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها"، وقول خليفتهم الفاروق "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا "، وغيرها من النصوص والأحداث المحفورة في وجدان الأمة شريعة وطراز عيش مميز.

فتسبق الأمة بنتائج تلك المقارنات ما تقترحه بعض النخب المتحجرة أو الخائفة أو المرتبطة بالغرب من أشكالٍ للحكم أو أنواع من الدساتير التي تعيد تلك الأنظمة من الشباك بعد إخراجها من الباب، فالحلول التوافقية التي تحاول بعض النخب - التي لم تدرك حجم التغيير الذي يجتاح الأمة- أن تفرضه لتحقق به بعض المطالب السطحية وتطمئن به المجتمع الدولي على مصالحه، تبقى تلك النخب في ضلالها القديم الذي وضعها دائما في خانة الأنظمة والمعارضة الدستورية، فهي لا ترى الأمور إلا من منظار المعارضة الدستورية المرتمية في أحضان الأنظمة البائدة والتي تربت على عدم مخالفة الأنظمة والتعليمات والقوانين الدولية وموازين القوى، والخوف من إثارة القوى العظمى.

وتلك الحلول التوافقية أنتجت مجموعة من المفاهيم والمقاييس والتطلعات، تمس جوهر نظام الحكم وطريقة العيش والدستور، وهي مفردات عظيمة كفيلة بإيجاد العدل أو الظلم، فأنظمة الحكم والدساتير التي طُبقت على الأمة الإسلامية وتقترح تلك النخب تطبيقها ثانية بنسخة معدلة، هي نفسها التي جاءت بالظلم والبلطجية ومافيا العائلات الحاكمة وضياع الأرض والثروات .

فجل ما تقترحه تلك النخب لا يعدو رجعا للفكر الانهزامي الخائف من الغرب أو المقلد له، فالغرب لا يمكنه أن يقدم للأمة نموذجا يُحتذى به في الحكم والسياسة، فالمستعمر القديم غرق في أزماته الاقتصادية والأخلاقية والاجتماعية على وقع نظامه الرأسمالي المادي الذي جعل من الإنسان سلعة رخيصة، ولا يمكن للغرب أن يروج لأفكاره وأنظمة حياته في أمة ذاقت صنوف الظلم والقتل والعذاب في ظلال تلك الثقافة الغربية التي انتجت أبو غريب وقصفت بغداد واحتلت أفغانستان وسكتت وشاركت في قتل الأطفال في غزة وأمدت ورعت كل الأنظمة الدكتاتورية القمعية الظالمة في بلادنا إلى تلك اللحظة التي أحست فيها بعدم جدواها في الوقوف أمام الجماهير الغاضبة.

وقد استنفذت الثقافة الرأسمالية وما أفرزته من ظلم كل مبررات وجودها على أرضنا، وأدركت الأمة أنّ الهيئات الدولية وما تفرزه من قرارات دولية هي أدوات سيطرة وبسط نفوذ ومخالب تنهش ثروات الأمة ومقدساتها، وأنّ الثورة تعني الخروج على كل تلك القيود ، فالحلول المطروحة لشكل الدولة بعد الثورة ودستورها يبقيها دولة إقليمية بحدود سايس بيكو، وبدستور وضعي يبقي الرأسمالية والاحتكام للقوانين الغربية الجائرة أساسا للدولة، والظلم سيدا لبلادنا.

وستبقى رحى الثورات دائرة إلى أن تضع الأمة ما تعتقد من عقيدة وأنظمة حياة موضع التطبيق، فالعدل الذي جاء به الفاتحون الأوائل سببه تطبيق الإسلام ووضع شرائعه موضع التنفيذ في شكل الحكم والقوانين وبذلك تتوحد الأمة وتستعيد مقدساتها وثرواتها وعزتها. فلا عدل إلا بتطبيق شرع الله في الأرض، عندها سيعم العدل عالمنا، والعدل... تربة تموت فيها الثورات.

د.مصعب أبو عرقوب

7-8-2011

الخميس، 16 يونيو 2011

نعلم ما يحدث في موسكو !!

نعلم ما يحدث في موسكو !!
ليلا ..وصلتني رسالة نقلتني من القرن الحادي والعشرين إلى ظلمات القرون الوسطى، حيث محاكم التفتيش وأدوات التعذيب الوحشية، رسالة تسدل ستاراً داكنا على معالم موسكو الزاهية، وتعيد رسم معالم "الجريمة والعقاب" بتراجيدية صامتة تضيف عذابا جديدا لحياة أولئك "المذلين المهانين" عبر العالم ....وتقفز عن "لحظة المجد الروسي " لتدخل إلى"عرض سينمائي مغلق " تعتصر فيه قلوب ملايين المسلمين في العالم ..لتصبح تلك الرسالة حديث "الليل المتأخر" في عالم يتجه نحوالتغيير..
فقد تلقيت كآلاف المسلمين حول العالم رسالة تتحدث عن قيام جهاز الأمن الداخلي الروسي [F.S.B] في مدينة موسكو باعتقال الأخت المسلمة صديقوفا أوميدخا نغانيفنا، التي لم يسمحوا لها بالاتصال لتخبر عن مكانها وتم إيداع أطفالها الثلاثة الصغار في بيت الأيتام.
ومن قبل، كان الزوج صديقوفا فاروخ فضل الدينوفيتش قد أعتقل بتهمة الانتماء لحزب سياسي، حزب التحرير، المرأة المظلومة اعتقلت من أجل الضغط على زوجها ليعترف بالتهم التي لم يرتكبها. ، وقد فرقوا بين الأم وأولادها، و حكمت المحكمة على صديقوفا بالحبس لمدة شهرين.
وفي صورة أخرى من ذلك المسلسل الرهيب قام موظفو الأمن القومي بتفتيش منزل السيدة مانابوفا يولا كازيخانوفا، ثم هددوها بالمفك و المخرز ونادوها بالمريضة نفسياًَ، والضالة... وهددوها باعتقال أبنائها مما شكل ضغطا معنويا عليها. وقد تكرر كل هذا طوال يوم كامل تقريباً، فيما بقي رضيعها وطفلها الصغير ذو الخمس سنوات وحيدين في البيت.
وحيدين في البيت ، رضيع وطفل ذو خمس سنوات ، وثلاثة آخرون يودعون في بيت للأيتام وتسجن أمهم في محاولة للضغط على زوج برئ ... تلك أركان رواية تغرق في الحزن والوحشية تدور أحداثها على مسرح دولة تشجب القتل والاعتقال وانتهاك حقوق الإنسان، ويصدر شعبها للعالم أرق المشاعر مسطرة في الروايات والكتب ومجسدة على مسرح البلشوي الروسي !!!.
وحيدين في البيت، والرئيس الروسي يجتمع لمناقشة انتهاكات القذافي لحقوق الإنسان وضرورة تنحيه عن الحكم، وكيفية التعامل مع القمع الممنهج في سوريا !!!، في انفصام واضح بين الحقيقة والتصريحات، فالأمة الإسلامية وهي تجابه أنظمة قمعية خلفها الاستعمار البغيض وراءه لتنهب ثروات الأمة وتحرس مصالحه، وتضمن تدفق النفط لمصانعه النهمة، لا تنتظر من تلك الأنظمة إلا ذلك الانفصام وذلك العنف والوحشية أمام تقدم الأمة نحو استعادة سلطانها المسلوب، فهل تنتظر صديقوفا أو ميدخانغانيفنا وغيرهما ذلك العنف والانفصام من موسكو أيضا ؟؟.
فقد وضعت موسكو وأجهزتها الأمنية نفسها بهذه التصرفات الهمجية اللاانسانية في سلة واحدة مع تلك الأنظمة التي باتت تقتل شعوبها وتعتقل النساء والرجال وتعذب الأطفال، أنظمةباتت تستهدف أمة عظيمة لها تاريخها الممتد وحضارتها العريقة، في محاولة يائسة لإيقاف عجلة التغيير التي ستعيد الوحدة لأمة شتتها الاستعمار الوحشي إلى دويلات إقليمية ضيقة .
فالأمة الإسلامية تشهد تحولا تاريخيا سيفضي في نهاية المطاف إلى عودة الأمةالإسلامية في كيان سياسي واحد، يجمع شتات حضارة قسمتها حدود استعمارية بغيضة، ليبرز للعالم النموذج الإسلامي في الحكم وطريقة العيش التي تعيد للإنسان قيمته، وتعيد للقيم الروحية والإنسانية والأخلاقية مكانتها التي سلبتها القيم المادية الرأسمالية، وليس من الحكمة بمكان أن تتصرف أي دولة مع أمة ناهضة تتمتع بثروات هائلة بهذه الطريقة المستفزة للمشاعر والقلوب .
فإذا كان تصرف الأجهزة الأمنية في روسيا لا يعبر بالضرورة عن قناعات واتجاهات الرأي العام والنخب المثقفة في المجتمع الروسي ، فان تلك النخب التي لا يمكن لها أن تسكت على هذه الصورة البشعة التي ترسمها الأجهزةالأمنية للشعب الروسي، يجب أن تتحرك وتستنكر على الأقل تلك التصرفات التي تلازم أنظمة قمعية من العصور البائدة.
تصرفات تعيد للأذهان حقبة من القمع والتنكيل بالأقليات والشعوب لطالما أراد الشعب الروسي التخلص من ارثها الثقيل على ضميره وحاضر علاقاته ومستقبلها مع غيره من الشعوب، ولا يمكن للأمة الإسلامية أن تأخذ توجهات الكرملين المعلنة بجدية وهي تشاهد وتقرأ تلك التصرفات، وتسجل في ذاكرتها تصرفات الكرملين تجاه المسلمين في موسكو، وتلكؤه في شجب القتل والقمع على أيدي أنظمة دكتاتورية لا يزال يحتفظ بعلاقات وطيدة معها، بل و يقدم لبعضها المساعدة والدعم في قتل وتعذيب الشعوب التي لم تعد تصدق الرواية الرسمية للأحداث.
ففي عالمنا الإسلامي، نعيش الآن حقبة الشعوب.. تصنع روايتها الخاصة للحاضر والمستقبل، وتظهر صورة جديدة للعالم عن الأمة الإسلامية لطالما اختفت وراء رواية الأنظمة القمعية التي وصفت كل من ينتقدها بالإرهاب، فقد تكون الشعوب اقدر الآن على رسم العلاقات بينها على أساس من الإنصاف، والابتعاد عن تحكم قلة بسيطة بصورة أمة، ولا نستطيع أن نتصور في ظل هذه الحقبة التاريخية أن النخب المثقفة في روسيا، تقف بجانب هذا التخبط والانفلات في سياسة الكرملين أو أن تساهم في رسم تلك الصورة غير اللائقة بالشعب الروسي!!.
فالرسالة وان وصلتني بالعربية، فان الشعوب الإسلامية وبسلمية تحركاتها ستدق أبواب سفارات روسيا عبر العالم، لتوصل رسائل احتجاج على تلك المعاملة والاهانة التي يتعرض لها المسلمون في روسيا، ولتستنكر دور الكرملين في دعم الدكتاتوريات المتهالكة في عالمنا الإسلامي، والى ذلك الحين قد ترون وبالروسية يافطات ترفع في ميادين التحرير في عالمنا سطرت عليها عبارة بسيطة ..." نعلم ما يحدث في روسيا "!!.
الدكتور مصعب أبو عرقوب
13-6-2011م

هذه النسخة العربية للمقالة الاصلية باللغة الروسية .