الأربعاء، 28 يناير 2009

اوباما والمعجزة


اوباما ...والمعجزة

د. مصعب ابوعرقوب


في زيارته الاخيرة للقدس وقبل توليه منصب الرئاسة وصف اوباما اسرائيل بأنها " معجزة تكشفت" منذ اعلان قيامها قبل 60 عاما.
قد يفهم هذا الوصف في سياقه اذا كانت المعجزة في فهم اوباما خرق للمنطق وكسر للقواعد العسكرية و محو للحقائق التاريخية, فنظرة سريعة على الخارطة الجيوسياسية للمنطقة تظهر اسرائيل دولة صغيرة محاطة بالاعداء احاطة السوار بالمعصم وبشعوب ترحل عيونها كل يوم الى القدس وتغلي غضبا لغزة ولكل قطرة دم تسفكها قنابلها الفسفورية ,دولة استطاعت منظمات شبه عسكرية اخلاء معظم سكانها في الشمال والجنوب تصمد لاكثر من ستين سنة شئ غير منطقي ولا يمكن تفسيره ظاهريا الا ...بالمعجزة.
بعد حرب تموز " نشر جيفري غولدبيرغ مقالاً بمناسبة مرور ستين عاماً طرح فيه على نفسه وعلى اسرائيل أسئلة كبيرة. ومن هذه الأسئلة:"هل تستطيع إسرائيل البقاء لستين عاماً أخرى في هذا الجزء من العالم الذي تنهض فيه كل أشكال المقاومة ضدها؟ وكيف يمكن لإسرائيل تحقيق الازدهار إذا كان جيشها لم يستطع هزيمة مجموعات صغيرة من المقاتلين الذين يطلقون الصواريخ؟ "و تبدو لا منطقية هذه الدولة واستثنائية وجودها في تصريحات ساستها و إصرارهم المستميت على الاعتراف بهم ، وهو ما لا تفعله الدول الطبيعية في محاولة منهم للرد على الطعونات المتعلقة بشرعية نشأة "إسرائيل" وأحقيتها بالبقاء. كما تظهر عجائبية تلك الدولة في تأكيد قادتها دوما على أن القدس عاصمتهم الأبدية وهو ما لا تفعله اي دولة طبيعية فلو قام رئيس وزراء اليابان يوما بالتأكيد على ان طوكيو عاصمة لليابان فسيكون مثار سخرية وتندر , ويضاف الى ذلك صراخ قادتهم امام العالم وقولهم بوجود من يهدد دولتهم بالإزالة ,وأي دولة طبيعية في العالم تفكر بهذا المنطق ؟فلم تدعي كوبا مثلا أن أمريكا تريد إزالتها من الوجود بل ولم يخطر في بالها هذا مطلقا. و إصرار "اسرائيل " على ضرورة دعم الغرب لها لاستمرار وجودها يعطي الحق لاوباما لوصفها بالمعجزة ,فكيف له ان يفسر نشوء دولة على اساس وعد من دولة اخرى لا تملك الارض وكيف يفسر خاتمة حرب 73التي اجتاز فيها الجيش المصري قناة السويس واقتحم خط بارليف وانتهت بمعاهدة كامب ديفيد التي حفظت امن تلك الدولة من جهة مصر حفظا كاملا تاما..اليست معجزة؟ كيف لباراك حسين اوباما ان يتصور نهاية حرب 73 في سوريا التي سيطر جيشها في بداية الحرب على منخفضات طبرية وما حولها وكانت خاتمة ذلك اتفاقية الجولانوالتي حفظت امن "اسرائيل" في الجولان على الرغم من انها لا زالت تحتلها حفظا امنا مطمئنا ...اليست معجزة؟ وعلى ارض معركة الكرامة وقعت معاهدة وادي عربة وحفظت حدود "اسرائيل" من جهة الاردن وتوالت المعجزات فبعد حرب لبنان2006 والتي دكت فيها صواريخ المقاومة ما بعد حيفا كانت خاتمتها القرار1707 الذي حفظ امن الدولة "المعجزة" في جنوب لبنان لدرجة ان جبهة الشمال بقيت باردة رغم المجازر في غزة. وها نحن امام المواقف البطولية لاهل غزة تنتهي باتفاق امني بين اسرائيل و امريكا يحفظ امن اسرائيل في اعالي البحار ومنخفضاتها ثم يتبعه مؤتمر شرم الشيخ العربي الاوربي التركي ليصوغ نتائج امنية تدعم الدولة العبرية ,وتفرض حصارا تسليحيا على غزة ادهى وامر من الحصار السابق..وبعد ذلك الا يحق لاوباما ان يصف اسرائيل بالمعجزة؟؟؟ الا يحق له ان يتصور ان "حل قضية الشرق الاوسط "ممكن فقد تجري على يديه بعض من تلك المعجزات لتحفظ امن اسرائيل وتطيل في عمرها .
ويبقى امام الرئيس اوباما ان هو اراد "السعي للمضي قدما مع العالم الاسلامي على اساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل" كما ذكر في خطاب التنصيب يبقى امامه معرفة ان امة من طنجة الى جاكارتا لا تؤمن بكل تلك المعجزات وتؤمن بمعجزة واحدة خالدة تلتف حولها و تسعى لتجسيدها في دولة واحدة لتلقف ما صنعوا من "معجزات", فالايام دول ولكل زمان دولة ورجال ويبدو ان كل من هب ودب قد استنفذ زمانه واقام دويلته ,وقد ان الاوان لهذه الامة ان تقول كلمتها وتملك زمام امرها وتوحد صفوفها فالتاريخ والواقع يثبت ان ذلك ليس بمعجزة لامة سطرت عبر تاريخها اروع الملاحم والفتوحات وبمقياس اوباما فقد صنعت اروع ما شهده البشر من معجزات.

الجمعة، 9 يناير 2009

لبيك غزة


لبيك غزة
د.مصعب ابو عرقوب

لم تتعرض غزة لحادث سير مروع أو لزلزال أرضي حتى يكون رد الأنظمة ومن دار في فلكهم إرسال المساعدات الإنسانية والأدوية وفتح المعابر للجرحى فقط..! غزة لمن لا يرى تتعرض لمذبحة وحشية تقطع فيها أوصال الأطفال والنساء في بث مباشر تقشعر له الأبدان,و تقف وحيدة أمام جيش يلهو في سمائها بلا رادع,وفي حالة كهذه فان الرد الطبيعي هو أن تتحرك الجيوش وتنفض عنها هذا الذل وتحرر فلسطين وتنهي هذا الكيان الأكذوبة وتجتثه من جذوره استجابة لأمر الله وثأرا لأطفال غزة .
قد يرى البعض أن هذا الرد خيالي وليس بعملي ويروج لهذه الرؤية فريق يطالب بأقل القليل لنصرة غزة وأهلها جاهلين او متجاهلين للحقائق التاريخية والشرعية .
فتاريخيا هل اكتفت أوروبا والولايات المتحدة بإرسال المعونات الإنسانية لفرنسا عند احتلال ألمانيا لها ؟ أم قامت بالإنزال الشهير لقواتها على ساحل نورماندي وبذلك تحررت فرنسا ساركوزي.!!
ألم يسمعوا عن حصار ستالينغراد ؟ هل اصطف الروس في طوابير للتبرع بالدماء والغذاء واكتفوا بذلك؟ ألم يقيموا سكة للقطار على نهر الفولغا المتجمد وسيروا جحافل جيوشهم على أنهر وبحيرات متجمدة ليفكوا الحصار ويحرروا الديار!! هل توسل الفيتناميون لمجلس الأمن أن ينهي احتلال أرضهم؟ أم حرقوا الأرض تحت أقدام الأمريكان!!
هل هذه حقائق أم خيال ؟؟ لماذا عندما يكون الأمر متعلق بالمسلمين فان التحرك الطبيعي يصبح خياليا وغير منطقي؟؟ في حين أن تاريخنا زاخر بأروع الأمثلة في التحرك وصد كل من تسول له نفسه الاعتداء على حمى المسلمين وحرماتهم, بدءا بنبينا محمد ومرورا بالفاتحين والمحررين وليس انتهاء بصلاح الدين وغيرهم من الأبطال. وإذا كان الدافع لتلك الشعوب وطنيتها أو حبها لأرضها أو مصالحها ورغبتها في العيش بسلام فان الأمة الإسلامية تدفعها العقيدة الإسلامية والأحكام الشرعية التي توجب عليهم نصرة المظلوم كوجوب صلاتهم وزكاتهم بل وتضمن تلك العقيدة لهم إحدى الحسنيين النصر أو الشهادة فلماذا يطالب البعض بأقل القليل ما دامت الحقائق التاريخية والشرعية تشير إلى أن الأمم لم تتحرر بالاستجداء من مجلس الأمن أو بالتعاطف وإرسال الأغذية، وتكشف تلك الحقائق وجوب نصرة المسلمين لإخوانهم وأن الأمة الإسلامية حاضرة دائما لتسطر تاريخا من المجد والعزة, ألم تسطر حطين وعين جالوت وتموز, فلماذا نمنعها من تسطير صفحة أخرى ونطالبها بأقل القليل؟؟
فالأصل على ضوء تلك الحقائق أن يكون اقل القليل تحرير فلسطين وإنهاء هذا الكيان مرة واحدة وإلى الأبد, فالأمة أمامها الكثير بعد ذلك لتأخذ دورها في العالم كخير أمة أخرجت للناس حاملة رسالة الإسلام للبشرية لتنعم في ظل أحكام الإسلام وتخلص الإنسانية من ظلم الرأسمالية الجشعة.
لتنزل الأمة إلى الشوارع لا لتنفيس الغضب والمطالبة بإرسال المساعدات والبكاء بل لمحاصرة قصور الحكام والمرابطة أمامها حتى يحركوا الجيوش أو تتحرك الجيوش فتخلعهم ألم يرابط شعب أوكرانيا أسابيعا في الشوارع والثلج والسقيع يلفح وجوههم حتى نالوا مرادهم؟؟ , فإذا كان أهل غزة يتلقون القنابل والصواريخ ولا تجد منهم إلا ما يرضي الله فان الشعوب تستطيع أن تتلقى الهراوات والغاز المدمع والرصاص لأيام, وإذا كان أهل غزة فقدوا المئات فان الأمة يجب أن تكون مستعدة لدفع ثمن عزتها وتحررها فالموت في غرق عبارة أو في انهيار بيت أو في حريق قطار أو تحت أقدام المهرولين لاستلام الخبز ليس بأفضل من الموت أمام قصور الحكام طاعة لله حتى لا تطالنا دعوات أهل غزة على المقصرين في نجدتهم, أما الجيوش فلا يجب أن تنتظر أحدا فالحدود تفتح بأيديهم فإخوانهم في غزة كتيبة محاصرة وعدوهم جبان يقصف من السماء يرتعد على الأرض, فالطائرات والصواريخ والمدافع إن لم تستعمل الآن فمتى تستعمل؟؟ فنصرة غزة نصرة للإسلام في نفوس الأمة ,هكذا تنصر غزة فهي حمى الإسلام وحمى الإسلام يدافع عنها بالجماجم ولا غير الجماجم فلبيك غزة.. الم يقل الشاعر:
لبيك أسلام البطولة كلنا نفدي الحمى لبيك واجعل من جماجمنا لعزك سلما؟؟؟ د.مصعب ابوعرقوب

السبت، 30 أغسطس 2008

جورجيا بين مخالب الدب وعنجهية الصياد


جورجيا بين مخالب الدب وعنجهية الصياد

د. مصعب محمد أبو عرقوب



يحكى أن القدماء اصطادوا الدب بنصب مصيدة له حتى يقع فيها فيجهز عليه الصياد,فان فشلت هذه الطريقة يضطر الصياد لإطلاق كلابه تنهش الدب وتدميه في معركة شرسة قد يفقد فيها الصياد بعض كلابه منتظرا حتى تخير قوى الدب ليقترب منه ويسدد له الطعنة القاتلة , وقد فشلت "مصيدة الدب في أفغانستان " في الإجهاز على روسيا والتخلص منها نهائيا كدولة مستقلة السيادة وكقوة عسكرية عظمى يحسب لها ألف حساب, بل انها عادت تبحث عن دور لها في الساحة الدولية مصحوبة بناستالجيا لماضي الاتحاد السوفيتي التليد. فكان لا بد للصياد الأمريكي بعد فشل المصيدة من استخدام الأسلوب الثاني ,وهنا تقدم الرئيس الجو رجي أحد أبطال الثورات الملونة والمتعجل للانضمام لحلف الناتو واستعادة اقليمي اوستيا الجنوبية وابخازيا وانطلق ليهاجم روسيا في مغامرة خاسرة بمصير شعب متكئا على وعود الصياد فوقف والمعركة دائرة متسائلا في مقالة له في" الواشنطن بوست":" اذا لم يكن الغرب معنا الآن فمع من يكون؟ واذا لم يتم توضيح الخطوط الآن, فمتى سيتم ذلك؟"فلم يجد إجابة عملية لاستغاثته , فالصياد منشغل بطرا ئد أخرى واقتصرت نجدته على إطلاق بعض "حلفائه" في وجه الدب الهائج فتدخلت أوكرانيا مهددة بمنع سفن أسطول البحر الأسود الروسي المشاركة في النزاع مع جورجيا من العودة إلى مرفأها في سيباستوبل جنوب القرم, واندفعت بولندا لتوقع معاهدة الدرع الصاروخي مع الولايات المتحدة الأمريكية علها تطوق الدب وتخيفه.

وبما" ان الحرب هي سياسة بوسائل أخرى " كما قال كارل فون كلاوزفتش فان رغبة جورجيا بالانضمام إلى صفوف حلف الناتو- الذي يضمن في اللحظة التي يتعرض فيها عضو في الحلف للهجوم فان جميع الأعضاء يهرعون لنجدته- هي رغبة بمثابة حلم وردي من ناحية جورجيا أما من ناحية بقية أعضاء الحلف فانضمام جورجيا إلى صفوفه- خصوصا بعد هذه المعركة- من شأنه أن يكون كابوسا" , فسقط حلم الانضمام للناتو مع اول قذيفة روسية وابتعدت اوستيا الجنوبية وابخازيا عن جورجيا بعد اعتراف الكرملين بهما كجمهوريتين منفصلتين على غرار استقلال كوسوفو كما يبرر الروس!

ولا يعول على "حلفاء" الصياد في نجدة جورجيا فاوكرانيا وان عاشت ثورة برتقالية سبقت وردية ساكشفيلي فإنها سلافية العرق , تربطها بروسيا روابط اقتصادية وثقافية قوية واعتمادها الكلي على الغاز الروسي يبقيها في خوف من شتاء بارد إن هي أغضبت جارتها الكبيرة.,اما بولندا فهي اصغر من ان تهدد دبا ويبدو انها لم تتعلم شيئا من الحرب العالمية الثانية ففي ليلة واحدة من ليالي تلك الحرب الطويلة احتلت بولندا وقسمت بين النازيين والسوفييت.

وهكذا علقت جورجيا بين عنجهية الصياد وعدم اكتراثه بـ"حلفائه"ومخالب الدب الذي سئم استهانة الصغار به وضاق ذرعا بالعابثين بفناء بيته....إلا أن الصياد لم يخسر شيئا فهو يستنكر ويأسف ويهدد ويقف بعيدا عن المعركة التي ستستنزف طاقات الدب الروسي وتشغله مدة طويلة عن تطوير ذاته واستعادة هيبته ونفوذه, وكما في عالم الإدارة فالأزمة في عالم السياسة تعني الفرصة والخطر فان روسيا ميدفيديف-بوتين تحاول أن تجعل من هذه الأزمة فرصة لإبراز قدرة الاتحاد الروسي على المحافظة على وحدته وسيادته ووضع حد للطامعين في ثرواته ,وهو أقصى ما يمكن ان تتمناه روسيا اليوم من هذه الأزمة فهي غير مرشحة للعب دور عالمي مهم لان ذلك يقتضي حمل رسالة للعالم وهو الأمر الذي تخلت عنه روسيا بتخليها عن المبدأ الاشتراكي الذي حمل لواء تحرير الشعوب من الامبريالية والبرجوازية,فبات خطر اندلاع حرب باردة جديدة مستبعد لغياب حرب الأفكار بين الرأسمالية والاشتراكية كأحد أهم معالم تلك الحرب.,و بقي الصياد متفردا بالعالم حاملا لواء " الديمقراطية ونشر الحرية " كقناع لطغيانه وأطماعه التي لا حدود لها في ظل غياب دولة مبدأيه ذات رسالة إنسانية تخلص البشرية من شرور الصياد وأنانيتها ولعل المرشح الوحيد لحمل هذه الرسالة للعالم هي الأمة الإسلامية لما تملك من ثروة فكرية ومادية و مبدأ إنساني يضمن العدل والرحمة للبشرية, ففي عالم تسوده شريعة الغاب وتلعب فيه الدولة الأولى دور الصياد تسقط فيه نظريات الدول الإقليمية الضيقة وتتهاوى فيه مصالح الشعوب الصغيرة , لا بد لامتنا من تفعيل مشروعها الحضاري وتوحيد شعوبها تحت قيادة مبدأيه واحدة حتى لا تبقى دولنا سهما او طلقة في جعبة صياد أو تقع فريسة تحت مخالب دب.


الجمعة، 8 يونيو 2007

في انتظار المكافأة السياسية!!!

في انتظار المكافأة السياسية!!!

د . مصعب محمد أبو عرقوب



في كتابه الأخير "فلسطين سلام لا تفرقة عنصرية"يصف الرئيس السابق للولايات المتحدة الأمريكية جيمي كارتر سياسة واشنطن بالغريبة فيقول إن:"أحد المعوقات الرئيسية لإحراز تقدم هو سياسة واشنطن الغريبة والتي تقضي بان الحوار على القضايا محل النزاع ...هو امتياز لا يمنح إلا كمكافأة للسلوك التابع والمطيع".

وبحسب هذا الفهم للسياسة الأمريكية فان تحقيق مصالح أي دولة أو نظام أو حتى مجرد الحوار على تلك المصالح لا يتحقق إلا" كمكافأة للسلوك التابع والمطيع" ,فأمريكا الدولة الأولى وسيدة الموقف الدولي.

ويبدو أن الأنظمة وبعض الحركات في العالم العربي لا ترى سوى هذه الطريق لتثبيت وجودها وتحقيق مصالحها الشخصية....فتجدها" تابعة مطيعة" في "مبادراتها", وحربها... ضد "الإرهاب" ,وفي رؤيتها لحل قضايا المنطقة, بل "تابعة مطيعة" في وضع مناهجها الدراسية وفي علاقتها مع شعوبها.,راهنة بذلك سياستها الخارجية والداخلية للدولة الأولى ,فأصبحت بذلك غريبة عن شعوبها,لا وزن لها في السياسة الدولية , لا هم لها سوى تثبيت وجودها في السلطة وهو "امتياز لا يمنح إلا كمكافأة للسلوك التابع والمطيع "فأمعنت في تبعيتها وتبديد ثروات أمتها في انتظار تلك المكافأة السياسية, حتى أضاعت مصالح شعوبها واستعدتهم عليها وأفقدتهم الثقة بها, فلم تعد الشعوب ترى فرقا بين مصالح أمريكا و مصالح حكامها فهي متطابقة حتى في الشكليات.

إلا أن هنالك دولا ترى طريقا آخر لتحقيق مصالحها.فتسعى لتأمين مصالح الدولة الأولى لعلها تحصل على مكاسب جراء تأمينها ومسايرتها, وهذا ما فعلته كل من إسبانيا وإيطاليا عن طريق مسا ندتها لأمريكا في احتلالها للعراق,وسلوك هذه الطريق "مغامرة حمقاء بمصير دولة",فما الذي يمنع الدولة الأولى من المساومة على هذه المصالح مع أي دولة أخرى؟؟,وما كان مصير الحكومات والساسة الذين رفَضوا نداءات شعوبهم بعدم خوض الحرب, فأين ازنار وأين برلسكوني ؟؟

أما شافيز فقد اختار طريقا آخر لتحقيق مصالح شعبه ,فتمرد في سلوكه وخرج على الدولة الأولى واضعا مصلحة شعبه فوق مصلحتها والموالين لها .,فسيطر على شركة النفط الفنزويلية,وفرص قيودا مشددة على التعامل بالدولار, وطور علاقاته مع دول أمريكا اللاتينية وزودها بالنفط بأسعار مخفضة,ويحاول توحيدها في مواجهة السياسية الأمريكية .

لقد برهن شافيز بسلوكه هذا أن هنالك طريقا آخر لتحقيق المصالح غير طريق التبعية والطاعة,وهو الطريق الذي تحرر فيه من التبعية وتسلط الدولة الأولى على شعبه وثرواته ,فعاد للحكم بعد 48 ساعة فقط من انقلاب عليه بفعل ثقة وحب الشعب وإخلاص المؤسسة العسكرية له.واختاره الشعب ثانية في استفتاء 2004 ,وثالثة في الانتخابات الأخيرة ‍‍‍!!!

ولكي نتحرر لا بد لنا من سلوك هذا الطريق فالسلوك "التابع والمطيع" على حد تعبير كارتر لم يأت علينا إلا بمزيد من التبعية والمصائب وفقدان الوزن في السياسة الدولية.ولن يكون ذلك التحرر إلا بوجود دولة تملك مشروعا واضحا للنهضة يقوم على مبدأ تؤمن الأمة به وتثق بمن يطبقه عليها ويحكمها به , فتستعد للتضحية من اجله والحفاظ على وجوده ، عندها فقط نتحرر من التبعية ونستعيد قوتنا وثرواتنا و نفرض رؤيتنا على الموقف الدولي ليقف العالم كله حينها أمامنا ... في انتظار المكافأة السياسية.

الجمعة، 15 سبتمبر 2006

الوصلة السياسية

الوصلة السياسية

د.مصعب محمد أبو عرقوب

"مع هذه الوصلة وبعدها نكمل المشوار", تتردد هذه الجملة على أسماعنا يوميا, وهي تعبير عن الوصلة الموسيقية أو الإعلانية في الإذاعة أو التلفاز أو العروض المسرحية كأسلوب لملئ الفراغ وشد الجمهور وتحضيره للعرض الأساسي وخروج البطل ,وتعطي فرصة أخرى للإعداد والظهور بشكل محترف.

والوصلة الكهربائية, وتدعى أحيانا "مجمعة" أو "مطولة" تصل بين طرفين وتجمع وتطول ما عجز الوضع الطبيعي عن وصله وتجميعه وإطالته للوصول للغاية.

أما الوصلة السياسة فعلى هذا المنوال, أسلوب ليس بجديد يستخدمه الأقوياء في وصل ما انقطع وتجميع ما تفرق وتطويل ما قصر عن الوصول للهدف.

فالمشاهد في عالمنا العربي والإسلامي أن العلاقة بين الجماهير والأنظمة قد انقطعت وهي في واد والجماهير في واد آخر,فمشاعر وأفكار و أمال الجماهير تتناقض مع تلك الموجودة عند الأنظمة و النخب الحاكمة التي أصبحت لا تمثل إلا نفسها ...عاجزة عن الالتحام الطبيعي بجماهيرها...وهذا فيه قدح في شرعيتها وخلخلة لأركان حكمها بكل مقاييس العقل وعلم الاجتماع:

فالأصل أن الأنظمة والنخب الحاكمة تعبير صادق عن المحكومين, وفئة اتفق الجميع عليها لتحكمهم بثقافتهم وما اتفقوا عليه من قوانين.

ولتوطيد أركان تلك الأنظمة وإيجاد الشرعية لها , كان لا بد من إعادة الوصل واشعار الناس أنها ممثلة لهم عاملة على تحقيق مطالبهم وطموحاتهم.

وبما أن الوصل الطبيعي مهمة صعبة طويلة لا تتم إلا بتبني أحد الطرفين وجه نظر الآخر, والوضع لا يحتمل التأخير,كان لا بد من استعمال الوصلة السياسية,...فيتم البحث عن جماعة أو حركة أو شخصيات ترى الجماهير فيها ممثلة لها بهمومها وتطلعاتها...تجرى انتخابات وتصل تلك الجماعة أو الحركة أو الشخصيات إلى ما يتوهم انه الحكم, فتشعر الجماهير أنها ممثلة بأناس انتخبتهم بنفسها ومن ثقافتها, وبذلك يحصل الالتحام الاصطناعي بين الحاكم والمحكوم وتتحقق الشرعية للنظام.

والانتخابات في هذه الحالة"ما هي إلا خطوة عملية للخروج من حالة اللاشرعية إلى الشرعية" هذا ما قاله الأخضر الإبراهيمي مبعوث الأمم المتحدة للسستاني في محاولة إقناعه بالانتخابات العراقية,وهي كذلك ما تفاخر به رامسفيلد على انه "إنجاز كبير" في أفغانستان.

وتستمر الوصلة بلعب دورها المرسوم مع هامش من الحرية لاقناع الناس انهم لم يخطئوا الاختيار,ما لم تطرا أحداث تفرض عليها الوقوف فعليا مع من انتخبوها لتحقيق مطالبهم و آمالهم, هنا يدرك الجميع أنها غير قادرة على تغير الحال ...فما هي إلا وصلة‍‍‍‍‍‍‍‍!!

هنا يبقى مصير الوصلة محرجا وقاتما, فهي أما إلى الاحتراق تحت ضغط تيارين مختلفين, أو الانحياز لتيار النخبة الحاكمة فتفقد بذلك شعبيتها وتنتحر سياسيا, أو الرجوع للجماهير والانحياز لهم ولكن بعد إخفاق في تحقيق نظرياتها في الإصلاح وتبني مصالح الناس, أو وهو الحل الوسط أن تلعب دور "المجمعة" والموحدة لتيارات متناقضة على شكل "وحدة وطنية" لتحافظ على وجودها في السلطة بأقل الخسائر وهي بذلك تفقد تميزها ومبد أيتها.

أما الأنظمة والنخب الحاكمة فهي الرابحة في هذه الحالة, فهي قد استعادت شرعيتها من ناحية, وحرقت الوصلة سياسيا من ناحية أخرى , وبرهنت على أن غيرها لا يملك مشروعا للنهضة والتغيير عند إتاحة الفرصة له بل شعارات غير قابلة للتطبيق, وبذلك تفقد الجماهير الثقة بالتغيير.

إلا أن الأنظمة ومن يقف ورائها تدرك أن هذا الوصل مؤقت والوصل الطبيعي يحتاج لعملية صهريه مضنية لتغيير مفاهيم وقناعات الجماهير بثقافة تخدم مصالحهم وتوطد أركان عروشهم,وهو ما قد بدؤوا به فعليا تحت مسمى " حرب الأفكار".

وهذه العملية الصهرية أو حرب الأفكار هي التحول التاريخي و"التحولات التاريخية تحدث ببطء شديد" ,وهو ما ليس في صالح تلك الثقافة المراد فرضها على شعوبنا ...فقد أسقطت مفاهيمها علينا في العراق وأفغانستان وفلسطين ولبنان وأبو غريب وغوانتينامو وبانت على حقيقتها, فضلا على أن الوصل عند العرب وجه من وجوه العشق و أصحاب تلك الثقافة المراد لنا أن نؤمن بها,أنفسهم يسألون ليل نهار " لماذا يكرهوننا؟؟ ".

وما استخدامهم للوصلات السياسة هنا وهناك إلا إقرار بفشلهم في فرض ثقافتهم, ومحاولة لعرقلة ذلك التحول التاريخي الذي توصل الأمة فيه- من تشعر انه يمثلها وينبض بثقافتها ويعبر عن ما يجيش في صدرها وعمل جاهدا على إحياء تلك الثقافة فيها, ولم يرض يوما أن يكون "مجرد وصلة"- توصله إلى عرش حكمها .

عندها يحدث التغيير الحقيقي, وتتفجر طاقات الأمة لتنهض وتضحي

فهي حينها قد حكمت نفسها بنفسها...بدون أي وصلة.

15/09/2006