الخميس، 28 يناير 2010

خارج التغطية.........


خارج التغطية.........

بقلم الدكتور مصعب أبو عرقوب *

تتنافس شركات الاتصال على تغطية اكبر مساحة جغرافية بتردداتها لضمان شريحة أكبر من المستهلكين ولن تستطيع الإفلات من تغطيتهم عبر نظام التجوال وتقاسم الشركات للفضاء، و بكبسة زر عند استعمالك للهاتف تفقد حريتك وتفتح جيبك للتعرفة التي تمليها تلك الشركات بلا رقيب أو حسيب، وقد تغريك بعض العروض والحملات الترويجية فتصرف في الرسائل والاتصال لتتفاجئ بفاتورة فلكية ...كل ذلك لأنك لم تنتبه للجملة الأخيرة ذات الخط الميكروسكوبي في نهاية الإعلان والتي تنص على أن "الأسعار خاضعة لشروط الحملة" وإذا كنت ممن حالفهم الحظ وقرأت تلك الجملة فإنك لن تجد الوقت لتتصل وتسأل عن تلك الشروط وإن وجدته واتصلت فستكون الشروط غامضة لدرجة تشككك في قدراتك العقلية على فهم ما يقوله موظف الاستقبال بشكل سريع وشبه آلي.

وفي عصر الفضاء المفتوح أصبح لا بد لكل صاحب رسالة أن يدرك الشبكة التي يستخدم والتعرفة والشروط التي يتوجب عليه دفع فواتيرها إن استخدم أو اختار شبكة معينة، فقرار محكمة لاهاي بخصوص عدم شرعية الجدار الذي تقيمه إسرائيل وما تبعه من تقرير جولدستون و مذكرات اعتقال لمجرمي حرب غزة لا تعدو كونها رسائل ضمن شبكة عالمية تخضع في قوانينها وعلاقاتها لسيطرة الدولة الأولى وبالتالي لمصالحها الاستعمارية في عالمنا العربي والإسلامي، وسرعان ما تتبخر تلك القرارات والمذكرات ويضلل السامع بآلاف التبريرات والتفصيلات والجداول الزمنية والمعايير الدولية وآليات التطبيق ومؤشرات النجاح وضرورة خضوعها للتصويت والمصادقة والعرض على مجلس الأمن في دوراته دون أن يفضي ذلك إلى تغيير أي شيء،

وما أن تنتهي قضية وتنسى حتى تبدأ أخرى تعطي فتات من الأمل للذين لم يدركوا طبيعة الشبكة أو لم يتمعنوا في شروط الحملة لتنهال عليهم الفواتير بأثمانها الباهظة، فالأمم المتحدة وغيرها من المحافل الدولية لا تخرج عن كونها أجهزة تنفيذية لشبكة السياسة العالمية التي تتفرد بقيادتها الولايات المتحدة الأمريكية، واللجوء لمجلس الأمن أو المحاكم الدولية أو لجان حقوق الإنسان لإنصاف المظلومين سطحية في التفكير و إمعان في تضليل الشعوب وتخديرها، فالحقوق والبلاد لن ترجع عبر هذه الشبكة العالمية.

وإذا كان من منطق الأنظمة الإقليمية الحاكمة التي تستمد شرعيتها من خلال ارتباطها بالمنظومة العالمية أو الشبكة الدولية التوجه للمؤسسات الدولية لإحداث جعجعة كي لا تبدو عاجزة قاصرة أمام مآسي وطموحات مواطنيها، فإنه ليس من الشرعي ولا المنطقي ارتماء بعض الحركات ذات التوجه ألتغييري في أحضان الأنظمة والحكومات وكيل المديح لبعض زعمائها واستجدائهم لفض الخصومات أو رفع الذل عن الشعوب، في اعتراف صارخ بشرعية تلك الأنظمة بل إن الأمر قد وصل ببعض تلك الحركات إلى طرق أبواب المؤسسات الدولية في تجاهل واضح لقيمة الفواتير التي يتوجب دفعها في حال استخدامها لتلك الشبكة،

فشروط الرباعية والاعتراف بإسرائيل والقوانين الدولية والاتفاقيات السابقة والتخلي عن العنف ونبذ الإرهاب فواتير تستحق الدفع حال استخدام تلك الشبكة. ولا يمكن لتلك الحركات المماطلة كثيرا أمام شعوبها كما لا يمكنها رفض دفع الفواتير فالقانون لا يحمي أولائك الذين لم يدركوا شروط الحملة فخطوط السياسة أدق من ذلك الخط الميكروسكوبي في نهاية الإعلان، ولا بد لتلك الحركات إن هي أرادت الرجوع إلى صفوف الجماهير أن تسحب اشتراكها من تلك الشبكة وتخرج لتستمد شرعيتها من التمرد على شروطها الظالمة وإلا فإنها ستستمر في دفع الفواتير حتى تعلن إفلاسها أمام شعوبها وهو ما لا نتمناه لتلك الحركات وننتظر منها رفض الارتهان لأي شبكة غريبة عن الأمة ومبدأها.

أما إذا كنت من المحاصرين في غزة أو المشردين في شوارع القدس أو الفقراء في مصر أو أحد المظلومين في العالم الإسلامي أو من تلك الحشود التي تتطلع إلى نصر أو تحرير للبلاد والعباد أو حتى كنت سفيرا أهينت كرامته إن كنت من أولائك فلا ترسل صرخاتك وطموحاتك عبر تلك الأنظمة الحاكمة ولا تنتظر نجدة من المحافل الدولية فصرخاتك واستغاثتك ستصب حتما في شبكة لست من رعاياها، وإن لم تكن مطلعا على شروط الحملة وطلبت تفسيرا فستغمرك التصريحات عن سيادة الدولة وضرورات الأمن القومي واختلال موازين القوى، والتهديد الفارسي وقد تقع تحت طائلة الأحكام العرفية أو تطالك قوانين مكافحة الإرهاب أو تصبح فاسقا ظلاميا بفتوى من علماء الشبكة .

عندها فقط ستدرك حقيقة تلك الشبكة وستدرك انك وأمة من المحيط إلى الخليج.....خارج نطاق الرعاية الحقيقية وأنه لا راع لك ولا منجد.

وعلى الرغم من حداثة الاتصال عبر الأقمار الصناعية فإن الأمة الإسلامية كانت تحظى بتغطية لكل رعاياها فقد كان يكفي لامرأة اعتُدي عليها أن تصرخ وامعتصماه حتى تقع تلك الاستغاثة ضمن شبكة تحكم بأنظمة وقوانين الإسلام لتلقى الاستجابة السريعة من المعتصم يثأر لها ويفتح عمورية فيكون السيف اصدق إنباء من الكتب والقرارات والمذكرات ولجان التحقيق والمؤتمرات والتصريحات والقمم والتهديد والاستنكار وسحب السفراء .

وما لم تنتظم الأمة في شبكة واحدة يمتد نطاقها من المحيط إلى الخليج تحت راية واحدة فإنها ستبقى شذر مذر ولن تلقى صيحات واستغاثات شعوبها أي استجابة فإنها على هذه الحالة ستبقى..... خارج التغطية.

26.1.2010

الأربعاء، 6 يناير 2010

فشل العرب الكبير

فشل العرب الكبير

د.مصعب أبو عرقوب

أمام كبار الإداريين في الأجهزة الأمنية والسياسية، وقف د. دان شيفطان المحاضر في جامعة تل أبيب ليصرح, "إن العرب هم الفشل الأكبر في تاريخ الجنس البشري"، و"لا يوجد شيء مختل أكثر من الفلسطينيين" و"العالم العربي الفشل الأعمق، ومن لا يقول ذلك يكون قد خضع للياقة السياسية البائسة".

بالرغم من وصول عدد الأميين في العالم العربي إلى نحو 100 مليون نسمة ،إلا انه لم يبقى حتى للامي شك أن هناك فشلا وتقصيرا وسوء رعاية للشعوب, فحقيقة الفشل لم تعد اكتشافا جديدا.وأعضاء الفلسطينيين في أجساد جنود الاحتلال تنبض بذلك، وأطفال المقدسيين الذين يفترشون الشوارع يلمسونه بأناملهم الرقيقة كل يوم والجدار الفولاذي على حدود غزة يزيد تلك الحقيقة سماكة وقوة يخالجها الألم والحسرة على موت الأقارب في حوادث القطارات المتكررة في الأمكنة نفسها وعلى السكة نفسها أو في غرق عبارة .

كما أن العيش في القبور في انتظار صخرة قد تسقط من عل لتنهي مأساة الأحياء العشوائية في قاهرة المعز لا يبقي رائحة للأمل . وأن تصبح الهجرة إلى أوروبا حلما يراود الشباب ويغرقهم في مياه الأطلسي أو يسلب كرامتهم في معسكرات اللجوء فذلك فشل يتجرعه شباب الأمة مع مياه الأطلسي المالحة.

وسقوط عاصمة الرشيد و قتل الآلاف في العراق وتجنب نساء الفلوجة الحمل خشية إنجابهن أطفالا مشوهين يفضح الفشل الذريع في تحقيق الأمن أو الأمل في المستقبل .

فلم ينكر احد ان العرب يعيشون حالة مرعبة من الفشل على جميع الأصعدة إلا إن الأمر الذي يستدعي الوقوف عنده هو القدرة على تشخيص سبب هذا الفشل أو الطريق للخروج منه ،فقد نضيف إلى ذلك الفشل غياب أو تغييب التشخيص الصحيح لأسبابه ،فعلى الرغم من قدرة بعض من يلقبون بالمحللين أو في بعض الأحيان بالمفكرين على تحليل أسباب انهيار

الاتحاد السوفيتي أو انحسار أحادية القطبية وتحليقهم في التحليل في طبيعة المبادئ وتأثيرها على الأمم ورقيها وتقدمها متناولين تلك القضايا برؤية تضع بعين الاعتبار الأمة والمبدأ كأساس لتراجع القوى أو تقدمها، إلا أن تفكيرهم وتحليلاتهم تضيق بضيق حدود سايس بيكو عند حديثهم عن أسباب الفشل في عالمنا الإسلامي وكأن عالمنا العربي والإسلامي هكذا كان منذ القدم ..وكأن فلسطين كانت يوما للفلسطينيين وقضيتهم تنحصر في أهلها وصراع فصائلها ، ومصر كانت قضيتها في الفقر والفساد والتوريث على مدى العصور، واليمن مشكلتها في الحوثيين والسودان في جنوبها ولبنان في طائفيته والمغرب في صحرائها والعراق في احتلاله وأفغانستان في قبائلها والصومال في مليشياتها وتركيا في أكرادها وهكذا دواليك.

ويتناسى الكل مفهوم الأمة والمبدأ عن عمد أو عن جهل قاذفين بذلك قضية الفشل إلى فشل أعمق في التشخيص وبالتالي ضياع الأمل في وضع العلاج الشافي لما تعيشه الأمة من انحطاط وضياع. بإصرارهم على حصر القضية وتقزيمها وتفصيلها على قياس الدول الإقليمية الضيقة وكأن الشعوب قبل تلك الحدود المصطنعة كانت تعيش في فضاء صامت او فراغ لا يمكن تذكر شي منه. و بتلك التحليلات وذلك التقزيم تصبح قصص ألف ليلة وليلة أو الأساطير الإغريقية وحروب جلجامش ومغامرات هاري بوتر موازية في قيمتها مع

تاريخ حطين وعين جالوت والمعتصم وصلاح الدين ومحمد الفاتح وطارق بن زياد.

ويبتعد بذلك بعض المفكرين ومن اخذ برأيهم من مدعي التغيير عن الحقائق التاريخية والسياسية التي يقرونها عند الحديث عن غيرنا من الأمم ، فالأمم تنهض بالمبادئ التي تعتنقها وتعيش وتضحي من اجلها وتحملها رسالة لغيرها من الأمم ، فالاتحاد السوفيتي نهض بالمبدأ الاشتراكي وسعى لنشره في العالم وعند فشل المبدأ وتناقضه مع الفطرة الإنسانية تخلى الناس عنه فضاع وانهار الاتحاد, والولايات المتحدة الأمريكية حامية الرأسمالية رفعت لواء الديمقراطية رسالة للعالم ،

وما إن ظهرت وحشية نظامها الرأسمالي بأزماته المالية المدمرة ووجه الاستعماري القبيح، و بان عور ديمقراطيتها في العراق و أفغانستان وأبو غريب و غوانتيناموا حتى بدأت تفقد بريقها وصورتها الأخلاقية والمثالية ، وبدأت بالتراجع عن تفردها بقيادة العالم .

والأمة الإسلامية بهذا الترتيب المنطقي والفكري الذي يردده معظم المحللين .... انحطت وقسمت ونهبت ثرواتها عندما تخلت عن مبدأها وأخرجته من دائرة التطبيق إلى بطون الكتب والمجلدات ودروس الوعظ والإرشاد.

وبوصف أدق فان الفشل الذي تعيشه الأمة إنما بدأ بانهيار دولة الأمة وحامية نظامها وديارها دولة الخلافة الإسلامية التي تآمر الغرب عليها بعد فشله في الوقوف أمام مبدئها الإنساني فاستطاع أن يجند بعض أبنائها ويعدهم ويمنيهم بإمارات وعروش وجمهوريات حملت في أحشائها بذور الفشل والتبعية التي تعيشها الأمة الآن ، ولا يمكن إن تحل تلك المشاكل الإقليمية إلا بعودة الأمة لتنصهر في بوتقة المبدأ عبر دستور واحد يحكمها في دولة واحدة فتعود خير امة أخرجت للناس ، فالأمة الإسلامية هي الوحيدة المرشحة لقيادة العالم لما تملكه من نظام إنساني عادل.

وحتى لا نبقى أسرى تحليلات ذلك المحاضر يجب وضع النقاط على الحروف ،فلم تكن نهضتنا يوما عربية وان امتلك عرب الجاهلية الأولى أخلاقا تفوقت في إنسانيتها وشهامتها على رأسمالية وديمقراطية الغرب ، إلا إن العرب لم ينهضوا ولم يخرجوا من جزيرة العرب إلا بعد اعتناقهم الإسلام وحمله رسالة هداية للعالم فالعرب وغيرهم من الأعراق شكلوا باعتناقهم الإسلام امة عاشت رقيا ورفعة وقوة على مدى أربعة عشر قرنا عاش فيها كل من حمل التابعية للدولة في رغد وسعة من العيش من ضمنهم أهل الذمة من يهود ونصارى .

فعلى مريدي النهضة والتغيير أن يعملوا على إعادة مفهوم الأمة إلى سياقه الصحيح فالعمل على التغير من خلال هذه الأنظمة التي تمزق وحدة الأمة وكيانها إنما يثبت الوضع القائم ، فلا يمكن لحركات ترتمي في أحضان الأنظمة القائمة وتحافظ عليها وتضفي عليها الشرعية لا يمكنها أن تدعي أنها تغييريه أو حتى مقاومة.

وحتى تهدم الجدران الفولاذية والحدود المصطنعة ويعود شباب الأمة من منافيهم وتعيش الأمة حياة عزيزة تستعيد فيها مقدساتها وثرواتها من مخالب الاستعمار ورجاله،لا بد لها أن تفعّل مشروعها الحضاري وتعود امة واحدة تحت ظل راية واحدة على أنقاض أنظمة ودويلات

كانت سببا في وجود تلك الجامعة وذلك المحاضر على أرضنا .

د.مصعب أبو عرقوب

الأربعاء، 23 سبتمبر 2009

القدس في ليلة القدر


القدس في ليلة القدر

د.مصعب أبو عرقوب

كانت أكفهم مضمدة فقد تسوروا الجدار ونزلوا بسرعة عبر الحبال قبل أن تدركهم دورية الاحتلال، التقوا في ساحات المسجد الأقصى بآخرين تسللوا إلى مستوطنة قريبة وركبوا حافلات المحتلين المتجهة للبلدة القديمة...كانت مخاطرة كبيرة ..ماذا لو أمسكوا بكم؟ ..ضحك أحدهم وأجاب لن يفعلوا شيئا وبلهجته الجنوبية الخشنة أردف مستنكرا " الدار دار أبونا وجاء الغرباء ليطردونا"؟؟؟.
في القدس لكل شئ طابع ونكهة خاصة, فالمخاطرة و المعاناة للوصول للحرم لها لذة عجيبة رغم الجراح و وعورة الجبال وقسوة الاحتلال.
دخل المغرب والكل يسأل ..كيف دخلت؟ من أي جهة تسللت؟ لتطير الإجابة عبر الهواتف لآخرين ما فتئوا يتصلون ويسألون ...كيف السبيل لدخول الحرم ...كيف السبيل؟؟؟.

وتبدو الساحات حزينة ترتقب الزائرين...يفطر الصائمون وتجول أعينهم في المساحات الخالية..أين أهل الخليل ؟؟ هل منعتهم الحواجز؟؟ وما بال أهل نابلس وجنين تأخروا ... اين المسلمون ..اين الفاتحون ؟؟؟.
تحدق عيون الحاضرين في جنود الاحتلال على الأبواب والأسوار وتخالهم يضحكون يستهزؤون يشمتون لرؤية القدس وحيدة منسية خالية في ليلة قدر قدسية..... وفجأة وبدون مقدمات يظهرون... من الأبواب يدخلون زمرا شباب منهكون ..ثيابهم ملطخة بالتراب والوحل ..من الجري والقفز والمطاردة متعبون..لكنهم في عيون القدس والحاضرين جميلون أنيقون عطرون ففي القدس لكل شئ طابع ونكهة خاصة.

رفع أذان العشاء لتتراص الصفوف وتزدحم الساحات وتعم الفرحة فإن للزحام هنا أيضا بهجة وطابع ونكهة خاصة, وقبل أن يكبر الإمام ترمق الجموع جنود الاحتلال بنظرة كبرياء ...ها قد امتلأت الساحات.....محمد لم يخلف بنات، فالكل هنا ما زال يذكر يوم سقطت القدس رقص المحتلين وغنائهم ...محمد مات مات ...خلف ورائه بنات.!!!!

تصلى التراويح... ويعتلي المصاطب دعاة لا يخافون سلطانا ولا سطوة حاكم .. يذكرون الأمة بماض تليد يطلقون آهات من أعماق أعماق القلوب على حاضر ذليل .. يبكون ويُيكون .... أمتهم يستصرخون وأهل قوة وعزم ومروءة يستنصرون علهم بعد طول أمد يستفيقون قبل إن تأتي ليلة قدر ...أقصى فيها قد لا يجدون.

يأتي وقت السحور فتساق نحو الأبواب لتشرب القهوة عند الجالية الإفريقية أو السحلب عند الأفغانية جاليات مغربية وكردية وهندية تأخذك لتلك الأيام الكريمة أيام السلطان الناصر استجلبهم من أصقاع الدولة الإسلامية ليطوقوا المسجد الأقصى ويحموه .....تخرج من التاريخ على صوت صلاة الوتر والدعاء..... يؤمن المصلون خلف الإمام بنغمة لازمة ..آمين..آمين...إلى أن يبدأ الإمام بالدعوة للقدس والمسجد الأقصى بالتحرير ولفلسطين بعمر أو صلاح ..فتتغير النغمة اللازمة لتصبح عويلا وبكاء واستصراخا وجأرا إلى الله وكأنك وسط مظاهرة مليونية من تلك التي تنطلق في مواسم المذابح في العواصم العربية,.... وكلما ألح الإمام بالدعاء للمجاهدين في العراق والصومال وأفغانستان بالنصر والتمكين ازدادت النغمة حدة وانتشارا...آمين... آمين ..آمين.

يصلى الفجر وتخرج لتجد الأحذية مكدسة أمام الأبواب جاهزة للمعركة القادمة ،معركة التطبيع، فهي السلاح كانت وما زالت في وجه المغتصبين والمطبعين والبائعين والمتخاذلين ..... في القدس حتى الأحذية لها احترام خاص.
يخرج المصلون وتوزع عليهم الأكياس الفارغة ويبدأ الجميع بتنظيف ساحات المسجد الأقصى.. هنا لا وجود لراعي ولا دولة ...هنا الكل خدم للقدس ومسجدها ..هنا تشعر بنشوة الخضوع والخدمة هنا... لكل شئ طابع خاص....... هنا القدس.

تغسل الساحات وتشرق الشمس وللقدس عبق صباحي ساحر يمتزج فيه التاريخ والأحداث والإسراء والنصر والتكبير والتهليل و دم الشهداء برائحة الحجارة القديمة بالصمت، بصوت خطى الجموع تدب بانتظام في أزقة البلدة العتيقة وشوارعها .....
تسير في ذلك العالم البديع، وتنسى بعد تلك الليلة الروحانية ...أنك ستراهم.... سترى جنود الاحتلال مدججين بالسلاح واقفين بالأبواب.... لكنهم خارجون عن النص." مارون بين الكلمات العابرة". ضعفاء لا يخيفون... حتى صبيا .. صلى ودعى في ليلة قدر عليهم وتمنى على الله أن ترتقي الأمة وتستشعر بعض ما يعانيه أهل فلسطين و القدس وأن تتذوق طعم التحدي وتسلق الجدران ...فتحطم جدران سايكس بيكو وتتوحد .. ويتأنق رجالها بلباس المعركة ويتجملون بحمل أسلحة لطالما كدست ولم تحترم لتعيش الأمة بهجة الزحام في ساحات الاقصى وتنتشي لكنس الظلام وعصرهم البائد ... تلك دعوة لا بد أن تستجاب فهي.......................... دعوة القدس في ليلة القدر.

ثبوت الرؤية السياسية


ثبوت الرؤية السياسية

د.مصعب أبو عرقوب

بدء رمضان بثبوت الرؤية الشرعية لهلاله وارتبط المسلمون حول العالم بحركة الكون وسير الكواكب ليغيروا سلوكهم اليومي تغييرا انقلابيا وبدون مقدمات أو تدرج فلا أكل ولا شرب, وإقلاع مفاجئ عن التدخين وضبط دقيق لإيقاع الحياة ، فالامتناع عن الأكل قانون صارم إلى أن تشق المآذن الصمت معلنة موعد الإفطار.

فتصوم امة كاملة، تصلي التراويح وتتبادل التهاني تجتمع في المساجد وتزور الأرحام وترتل القران في انسجام بديع بين الكون و الأمة امتثالا لأمر الله بالصيام وتحديد بدئه بقول الرسول الكريم" صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته".

و في انصياع تام للرؤية الشرعية تتوحد الأمة الإسلامية في أدق تفاصيل الحياة اليومية وتنتظم في تأدية فريضة واحدة غير حافلة بحدود مصطنعة أو حسابات إقليمية ضيقة الأفق أو فصائلية مخجلة، فصامت رام الله وغزة ولم يؤجل رمضان لما بعد حوار القاهرة أو إطلاق سراح المعتقلين من الطرفين كما لم يلغى الصيام بحجة ضعف مناعة الأجسام أمام انفلونزا الخنازير أو خوفا من انخفاض الإنتاجية في ظل الأزمة الاقتصادية. وتصوم الأمة رغم الحصار في غزة والتفجيرات وانعدام الأمن في بغداد ولم تفطر تحت القصف في أفغانستان والصومال أو الاقتتال في صعدة.

لم تستطع كل تلك الحسابات منع امة من الانصهار في بوتقة واحدة والعيش في منظومة سلوكية انعدم نظيرها في ظل عالم مادي بعيد كل البعد عن القيم الروحية والأخلاقية والإنسانية.وبالرغم من كل الحملات التي تشن على وحدة الأمة وثقافتها وحضارتها إلى أن الحدث الرمضاني في عالميته يشكل برهانا على أن المعركة لم تنتهي بعد وان الأمة وان هزمت ماديا فإنها لم تهزم فكريا ولم تنل الهجمات الدعائية والإعلامية من القناعات المتجذرة في عقول أبنائها.

فالإسلام كمنهج حياة لا يقتصر في توحيد الأمة على الرؤية الشرعية لهلال رمضان بل يمتلك رؤية شاملة للحياة ورؤية سياسية لحل القضايا المصيرية للأمة يصعب إقناع المسلمين بغيرها وان حاول البعض تضليلهم وإخضاعها لبعض الحسابات الإقليمية أو المصلحية ,فالقضية الفلسطينية لم تراوح مكانها عقودا لقلة المبادرات

أو التمويل أو المؤتمرات أو الخرائط وستبقى تراوح مكانها لان أهل البلاد لم تثبت عندهم الرؤية الشرعية في تلك الحلول ويستحيل إقناعهم بغيرها لحل قضيتهم ,فلا يمكن أن تختزل قضية فلسطين بإزالة حاجز هنا أو مستوطنة هناك فارض الإسراء والمعراج تشهد لصلاح الدين تقيده بالرؤية الشرعية للحل رؤية ثابتة في عقول الأمة وصدور أهل فلسطين ثبوت الهلال في رمضان لا تتغير وان افطر المقدسيون في الشوارع أمام بيوتهم التي اخرجوا منها وتسحروا على نشرات أخبار لا تذكرهم ولن تتغير وان مات أطفال غزة تحت الحصار والقصف.

رؤية شرعية للسياسة تنقذ الأمة وتصون أرواح شبابها فلا تسمح بإقامة إمارة في سجن صغير يفتقر لأبسط مقومات الدولة ولا تبيح قتل المسلمين في المساجد في صراع على سيادة منقوصة بل على سيادة لا وجود لها،رحيمة بآلاف المشردين من بيوتهم من اجل عيون الاستعمار في باكستان، رؤية واضحة لا تحتاج لمحكمة القاهرة التي تجرم من مد يد العون للأهل في غزة ,عادلة في من قدم العراق وأفغانستان لقمة سائغة للغرب وجيوشه البربرية ...رؤية تزيل الغموض والتناقض عن تعريف الإرهابي في الصومال وغيرها من بلاد المسلمين هي كذلك لأنها مستمدة من المنظومة الفكرية الراسخة في أعماق الصائمين منبثقة من الشرع الذي لا تختلف عليه الأمة .

صامت الأمة ولم تخضع صيامها لأي حسابات ولعل هلالا آخر يتولد الآن يجمع المسلمين في دولة واحدة فتثبت الرؤية السياسية عند الأمة لتغير سلوكها الحضاري تغييرا انقلابيا شاملا يخرجها من حالة التبعية للغرب والإدمان على الذل و المذابح والاحتلال ونهب الثروات إلى الصيام عن المهانة والإمساك عن الخضوع لتفطر في أوطان ومقدسات محررة على ثروات مستردة وتنطلق للبشرية حاملة نظام عدل ورسالة نور تنقذها من جمود المادية إلى رحمة الإسلام ودفئه... لتنتظم الأرض من جديد في عقد الكون... محكومة بقانون السماء.

.

د.مصعب ابو عرقوب

السبت، 18 يوليو 2009

إيماءة الناسك

إيماءة الناسك

الدكتور مصعب أبو عرقوب

عاش في صومعته عابدا ناسكا، معتزلا الناس خشية أن يفتنوه عن عبادة ربه وأرهق الشياطين بصلاحه وتقواه، فعقد إبليس مؤتمرا لإخراج برصيص الناسك من عالمه... وبعد مداولات تعهد احد الشياطين بإغواء برصيص، وانطلق بثياب ناسك إلى صومعة برصيص ووقف ببابه، فتح له العابد الباب فلم يجد منه إلا الصلاة والتمسك، وبعد عام قرر الشيطان مغادرة برصيص بعد أن علمه كلمات ادعى أن الله يشفي بهن السقيم وخرج، ... ذاع صيت برصيص وفتح صومعته يساعد الناس ويداويهم .....ولما أصاب المرض بنت الملك لم يجدوا إلا برصيص الناسك لعلاجها...أغواه الشيطان...فحملت ..أغواه ليستر الفضيحة ويتفرغ للعبادة .. فقتلها ودفنها..انكشف الأمر فصلب برصيص وقيد .....جاءه الشيطان عارضا عليه المساعدة وتخليصه شرط أن يسجد له .. ولكني مقيد ولا أستطيع السجود .....فأجابه.. إيماءة من عينيك تكفيني.

رويت قصة برصيص بصور عدة وتناقلتها الكتب والألسن لما فيها من عبرة ..فالعالم لم يخلو يوما من العباد أو الشياطين..والمعركة دائرة لم تتوقف.

فعندما تتفرد دولة بقيادة العالم وتفرض قوانينها وأنظمتها عليه، يصبح كل من لا يجاريها خارجا عن النظام مارقا ضمن محور الشر لا شرعية له ،إرهابيا أو ثائرا متمردا على الإرادة الدولية والمجتمع الدولي منعزلا في صومعته, لكن الناس قد يفتتنوا بإخلاصه وبياض يده وقد يتأثروا بأفكاره التي تلامس أعماق قلوبهم فيتمردوا،وبذلك يشكل خطرا يهدد مصالح الدولة الأولى و يقف عائقا أمام تنفيذ مشاريعها، ولا سبيل للتخلص منه بسهولة فالناس ترى فساد الآخرين وتقارنهم بصلاحه وصدقه ..وتبدأ المعركة لإخراج العابد من صومعته بإقناعه بضرورة تقديم المساعدة للناس وخدمتهم وعدم تركهم للفاسدين يحطمون آمالهم و يتحكمون بحياتهم ومصيرهم وحتى يكون خروج الناسك للعالم والمجتمع الدولي شرعيا تجرى انتخابات ليفوز بأغلبية أصوات الجماهير المتعطشة للتغيير والتخلص من الواقع المرير، وهكذا يدخل الناسك العالم الجديد تحت مظلة قوانين المجتمع الدولي ومتطلباته، وتحت ضغط الواقع والاتفاقيات الموقعة والاشتراطات الدولية تصبح قوانين الصومعة قديمة مرتجلة تحتاج للتعديل ومسايرة العالم وقد تغير باستفتاء عليها أو تلغى في اجتماع مركزي.

وحتى تصبح دولة الناسك عضوا في المجتمع الدولي تتلقى مساعداته لتدفع رواتب موظفيها وترفع الحصار عن مواطنيها التي جاءت لخدمتهم ، وهنالك استحقاقات أو شروط يجب أن توافق عليها ومشاريع للدولة الأولى لا يجب أن تعطلها وإلا حوصرت واتهمت بالخروج على المجتمع الدولي ، وقد تكون تلك الاستحقاقات مريرة على نفس الناسك متعارضة مع ثوابته متنافية مع ما اعتاد الناس عليه من تمسك الناسك بالحقوق وصلابته في الدفاع عن المقدسات..وحتى لا ينفض الناس عن الناسك ويضيع جهد الدولة الأولى في إخراجه من الصومعة هدرا وتخسر تأثير الناسك على الناس قبل أن يعطيها صك الشرعية لمشاريعها وأدواتها...فإن الدولة الأولى ستكتفي في هذه المرحلة بايمائة من عينيه تبقي على هالة الصلاح والروحانية التي كانت سبب حب الناس له، فتهمس في أذنه عبر الوسطاء والرؤساء السابقين ... إيماءة من عينيك تكفيني.

و لعل الجدل الذي يعقب بعض الخطابات والتصريحات السياسية يعود لما فيها من غموض و إيماءات، قد تربك الصورة عند البعض لكنها سرعان ما تتكشف ، فقد شهد العراق والصومال وغيرهما أمثلة على نساك سرعان ما تخلوا عن صوامعهم و ساهمت الأحداث في إزالة هالة النساك عنهم، ويتمنى البعض أن لا يكون غموض بعض المواقف بخصوص الاعتراف بإسرائيل والقبول بحل الدولتين إيماءة للتنازل عن فلسطين والأرض التي بارك الله حولها ،لكن بعض التصريحات تكشف تورطا اكبر من مجرد الايماءة.

يفسر بعض العلماء مصيبة برصيص ووقوعه في المنكر بغلبة عبادته على علمه؛ فإنهاض الأمة ورفع شأنها ومساعدة الناس في حياتهم وتخليصهم من الظلم والاحتلال لا يكون بالدخول في دائرة المجتمع الدولي والرضا بقوانينه وتشريعاته واستحقاقاته التي تضمن تفوقه وتحافظ على مصالحه واستمرار نهبه لثروات الامة ومقدراتها .فالنهضة إنما تكون بتفعيل مشروع الأمة الحضاري في دولة واحدة تطبق الأحكام والأنظمة التي تعتقدها الأمة وان خالفت قوانين العالم وقلبت الطاولة على الجميع، بهذه الطريقة تستقل الأمة وتصبح الأولى في العالم تضع القوانين وتفرض الحلول وتحمي الديار وتساعد البشرية وتخلصها من قانون الغاب وظلم الرأسماليين ومكائد الشياطين.

وعودة لمصير برصيص.... فبعد سجوده للشيطان بتلك الإيماءة...قتل وصلب وطار الشيطان فرحا قائلا... هذا ما أردت منك.

د.مصعب أبو عرقوب

13.07.2009

الأربعاء، 17 يونيو 2009

اوباما ...وتصفيق الكومبارس









اوباما ...وتصفيق الكومبارس





د.مصعب محمد أبو عرقوب


"خمسون ألف روماني... يراقبون كل حركة من سيفك يرغبون بان تجعل ضرباتك قاتلة .. الصمت قبل ضرباتك ..والصياح والتصفيق بعدها يعلو... ويعلو مثل العاصفة وكأنك إله الرعد نفسه", بذلك الوصف أغرى سيدٌ أحد المصارعين ليشارك في حلبة الصراع في الكولوسيوم أشهر مسارح ذلك العصر، ففي قمة عظمتها كانت الإمبراطورية الرومانية تقيم حلبات للمصارعة تسحر الجمهور، وتصرف انتباههم عن فتك الطاعون ومآسي الحياة التي يكابدون، وغالبا ...ما ينتهي العرض بمقتل احد المتصارعين فتسيل الدماء وتفوح رائحة الموت..
والغريب أن الجمهور كان يصر على قتل الخاسر ليستمتع بلون الدم ..فيضج المسرح بالصراخ والتصفيق في مشهد أبعد ما يكون عن الإنسانية.
وفي مشهد آخر من عصر الجاهلية كانت طقوس العبادة، طواف حول الكعبة يعلوه التصفيق والصراخ ..واستمر التعبير عن المشاعر المختلطة أحيانا والمتناقضة أحيانا أخرى بالتصفيق والصراخ كظاهرة تصاحب أحداث يصعب نسيانها،
و يفسر احد نواب مجلس الدوما السوفيتية سر مشهد التصفيق المتواصل بعد خطاب ستالين...يفسره بخشية الحضور على حياتهم من سطوة الزعيم ومعتقلاته ونفيه لخصومه في سجون سيبيريا و صقيعها إن توقفوا عن التصفيق قبل أن يطلب ستالين منهم ذلك.
وفي مشهد درامي مشابه ومن جامعة القاهرة هذه المرة تعالت الصيحات واخترق التصفيق كلمة رئيس الولايات المتحدة الأمريكية مرات ومرات، مناقضا لكل المشاعر و المشاهد والسيناريوهات.
فأوباوما... وإن وقف كمصارع في الكولوسيوم شاهرا سيفه و الدم يقطر منه في العراق وباكستان وأفغانستان والصومال وفلسطين ،فإن الأمة الإسلامية التي وجه خطابه لها لا تستمتع أبدا بهذا المشهد الدموي الحزين ،ولا تشبه بحال من الأحوال سادية الجمهور في المسارح الرومانية، فهي أمة واحدة إذا اشتكى منها عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى....فلن تصفق له، كما أنها لم تعبد الديمقراطية ولن تطوف حولها ولا حول صنم من تمر إن جاعت أسواق الرأسمالية أكلته، فهي تملك نظاما أخرجها من الظلمات إلى النور و عاشت في ظله قرون، عزيزة منيعة صان بشرائعه حرمات نسائها ومقدساتها ....فلن تصفق له، ولم تؤمن يوما بهرطقة الدولتين وقسمة الأرض المباركة بين أهلها ومغتصبيها لتصفق له، ولن ترقص تلك الأمة طربا لإزالة مستوطنة هنا أو حاجز هناك فالقدس وفلسطين كلها ملك لهم, كما أنها لن تصفق له خوفا فقد طار الخوف من عيون أطفالها الذين تعودوا أزيز الطائرات، ورؤية الأشلاء في الأفراح والمناسبات، وباتت نزهتهم الوحيدة زيارة آبائهم في المعتقلات ،ولم تعد جيوش الاحتلال ترعبهم فللمقاومة في العراق ولبنان وفلسطين أمام ناظرهم صولات وجولات...فلن يصفقوا..
لكنه الاستعراض على الطريقة الأمريكية في هوليوود, فقد تنبه المخرجون لأهمية التصفيق كأحد المؤثرات الصوتية الضرورية لإعطاء الانطباع بالموافقة والإعجاب ،وإضفاء نوع من التفاعل مع المشاهدين، فبرزت أهمية استئجار بعض الممثلين الثانويين أو ما يسمون بالكومبارس مهمتهم التصفيق عند طلب المخرج ، أو القيام بأدوار ثانوية لا تغير النص ولكنها تضفي عليه نوعا من الواقعية والإثارة، وقد لا يبتعد دور الكومبارس ومهمته كثيرا عن المشهد السياسي في العالم العربي والإسلامي كظاهرة تفسر وجود ألاف من مدعي العمل بالسياسة والاضطلاع بشؤون الأمة يصفقون متى طلب منهم المخرج الأمريكي ذلك بما يتناسب مع النص ونوعية العرض.
إلا أن التصفيق في مشهد القاهرة جاء نشازا وخارجا عن السياق الموضوعي والتاريخي، فيبدو أن الجمهور خارج القاعة قد سئم هذه الاسطوانة المشروخة، وخرج من عالمه الافتراضي الذي صنعه المخرج وجوقته من الكومبارس السياسيين، فلم تعد المؤثرات الصوتية أو المرئية تخفي واقعه المرير، ولم تعد لا الوعود ولا التضليل يجدي نفعا مع أمة شاهدت كل الاستعراضات الوهمية وحرقت كل الأفلام وشبعت من أباطرة الكلام...امة ترنو للتغيير وهي ترى اوباما رئيسا لأمريكا في تحقق سريع للأحلام ,فقبل ست وأربعين سنة فقط وأمام مئتين وخمسين ألفا وقف الزعيم الأمريكي من أصل إفريقي مارتن لوثر كينج ليلقي واحدة من اشهر خطبه "لدي حلم"
أعلن كينج فيها رفضه للتمييز ضد أبناء جلدته " لن نرضى أبداً ما دام الزنجيُّ في المسيسيبي لا يملك حق التصويت ، والزنجيُّ في نيويورك لا يؤمنُ في شيءٍ يصوّتُ من أجله . لا ، لا ، لسنا راضين . ولن نرضى حتى يتدفّق العدلُ كالماء ، والاستقامةُ كالنهرِ العظيم.... لدي حلم . "... وفي مشهد تاريخي مؤثر.. صفق الجمهور المحتشد حول نصب لنيكولن التذكاري وعلت اصوات التأييد، واعتبر كثيرون ان رسالة لوثر كينج قد تحققت وان التفرقة العنصرية قد انتهت في اليوم الذي فاز فيه باراك اوباما بالانتخابات الرئاسية.
فالأيام حبلى وعصر الإمبراطورية الرومانية قد ولى، وصار الكولوسيوم أثرا بعد عين وانتهت الجاهلية بخوفها وظلامها، و أطل عصر جديد لن يبقى فيه المسرح حكرا على الكومبارس يخذلون آمال أمتهم وتطلعاتها ... و يصفقون ،فالجمهور قد ضاق ذرعا بعرض هزيل آلم القلوب وأبكى العيون.
ولعلنا على أبواب حلم آخر يتحقق ,حلم اكبر من حلم كينج ،...حلم يعتلي المسرح فيه أبطال حقيقيون، السحاب فيه قد يخاطبون:"أمطري حيث شئت فخراجك عائد إلي"... ولملك الروم برسالة قد يبعثون "الرد ما تراه لا ما تسمعه"، وليصلوا في قبلتهم الأولى... جيوشهم قد يحركون، فيعلو التكبير والتهليل، ومن على منبر صلاح الدين انتهاء عصر الكومبارس بلا رجعة ... سيعلنون.

الأحد، 7 يونيو 2009

وتبقى القدس ...ورقة عبّاد الشمس




وتبقى القدس ...ورقة عبّاد الشمس



تراها صغيرة صامتة جامدة منسية، لا تكذب ولا تنافق ...لكنها ما تلبث أن تغير لونها لتضعك أمام حقيقة لا جدال فيها .. تلك ورقة عبّاد الشمس، إن كنت في عالم الكيمياء فهي رفيقتك تميز لك الحامض من القاعدي، وفي عالم السياسة إن هبت عليك رياح التصريحات واعتلتك أمواج التضليل وغمرك الإعلام بالتحليلات والمناظرات، إن أسرتك بعض القيادات هنيهة ثم حيرتك، إن ابتهجت لهم حينا وغضبت منهم دهرا، إن كنت في حيرة من أمرك أتصفق لهم أم تبكي، أتصدقهم أم هي عادتهم، هل تغيروا أم لا أمل فيهم، هل ما يقولون دعاية انتخابية وعنتريات إعلامية أم حقيقة تلفنا حولهم، إن كنت كذلك فأنت لا ريب محتاج لورقة عبّاد شمس سياسية تنبئك بالخبر وتكشف لك ما استتر.

ألم يعدوك برميهم في البحر؟، ألم يتشدقوا بعروبة القدس وقوميتها؟، ألم يزورها ويُصَّلوا فيها ألم يُغنوا لها؟، ألم يعقدوا الاتفاقيات لأجلها و المؤتمرات؟ بل أنشئوا صندوقا لدعم صمودها، لماذا لا تصدقهم ؟ أم أنهم لم يجتازوا فحص عباد الشمس؟.

منهم من صرح يوما بضرورة إزالة "إسرائيل" عن الوجود ووقف حاملا راية الحق أمام الشيطان الأكبر ولكنه في لقاء تلفزيوني أكدّ أنه لن يمنع الفلسطينيين من الاعتراف بالدولة العبرية في إطار حل إقليمي على أساس "دولتين"، وأضاف نجاد "مهما كان القرار الذي يتخذونه، لا مشكلة بالنسبة إلينا، لن نحول دونه، مهما كان القرار الذي سيتخذونه فإننا سندعمه". ، ...أترى لم يستطع أن يخفي الحقيقة أمام ورقة عباد الشمس ..القدس وفلسطين، وخرج آخر من منتدى دافوس مغاضبا، وأسرك بفعلته تلك ورأيت فيه القائد القوي والراعي المزعوم لبلاد المسلمين لكن أردوغان رد على الأصوات الشعبية المطالبة بتجميد العلاقات مع الكيان المحتل بالقول"من السهل للأعزب أن يطلق زوجة " في إشارة منه إلى عدم إمكانية ذلك! فما قيمة وما وزن هذه التصريحات والأفعال التي شَغَل مسئولو حكومة حزب العدالة والتنمية المسلمين بها على المستويين المحلي والعالمي ما لم تؤدِّ إلى قطع العلاقات كاملة مع إسرائيل كخطوة أولى ومع كل الدول التي تقف خلفها, أليست القدس وفلسطين محكا لكل زعيم.

ماذا لو وقف سيد البيت الأبيض ووهبك "دولة " بين السطور، و دخلت المدينة المقدسة بتصريح كتب بالعبرية، أو بتأشيرة من سفاراتهم في عواصم الدول العربية والإسلامية، ماذا لو صليت تحت حراب المحتلين وطفت كسائح بساحل فلسطين, وأغروك بالقدس الشرقية دون بقية الأرض التي بارك الله حولها ...هل سيشفى صدرك أم تريد أكثر، أم أن القدس تعني لك شيئا أكبر, أكبر من الأرض والتراب و وعد اوباما من بلد الأزهر.

فقد تعيش في مقابر قاهرة المعز كآلاف المصرين أو تحت ظلال الأشجار في الصومال أو قد يكون عنوانك دورات المياه مع إخوانك المغاربة, قد تؤويك الخيام في باكستان أو معسكرات اللجوء في أوروبا أو تتقاذفك أمواج الأطلسي في رحلة البحث عن مستقبل, قد يطالك القصف في وزيرستان أو شظايا المتفجرات في العراق قد تحاصر في غزة أو الفلوجة، قد تحمل شهادة جامعية عالية وتبيع الشاورما في باريس أو السجائر في تونس قد يعتقلوك في غوانتاناموا أو يودعوك سجن أبو غريب أو يغيبوك في المزة أو تزمامارت, لكنك لن تنسى القدس فهل يستطيعون محي وعي سكب في تلافيف عقلك أو يستطيعون من جسمك نزع عقيدتك التي جمعتك بكل أولئك أم أن "عقيدة المؤمن هي وطنه، وهي قومه، وهي أهله . . ومن ثم يتجمع البشر عليها وحدها، لا على أمثال ما تتجمع عليه البهائم من كلأ ومرعى وقطيع وسياج ! ".

أما إن لم تكن من أولائك المعذبين وسكنت القصور والمنتجعات وكنت رئيسا أو ملكا أو قائد جيش فاعلم أن مليارا ونصف يملكون ورقة عباد شمس ويفرقون بين الأعمال والأقوال، بين الشعارات وصناعة الأحداث، هؤلاء يملكون القدس و لن يسكتوا حتى يعيدوها سيرتها الأولى ...درة تاج الدولة الإسلامية، فلن تخدعهم بمعسول كلامك وحرصك الزائف، ما لم يروا فاروقا أو صلاحا يعتلي منبر المسجد الأقصى محررا فإنهم لن يصدقوك... فانظر أمرك إن كنت من أهل العزم فتقدم وإلا فتنح عن الطريق لكيلا تدوسك الجموع فقد سقطت ورقة التوت ولم تعد تستر خنوعك واستسلامك، ألا ترى أنهم يُقتلون ..يتألمون ..يحاصرون ولكنهم يتذكرون... فلا تقف في طريقهم، ألا ترى الغضب في عيونهم ؟..ألا ترى تحرقهم ليوم نصر وتحرير؟ فلا تقف في طريقهم، فالقدس وفلسطين جزء من عقيدتهم والعقيدة لا تباع ولا تشترى، أترى...

أترى حين أفقأ عينيك

ثم أثبت جوهرتين مكانهما

هل ترى..؟

..هي أشياء لا تشترى


د.مصعب محمد ابو عرقوب