الاثنين، 27 أبريل 2009

شافيز و اوباما و الكتاب


في حركة مسرحية أمام الكاميرات تقدم الرئيس الفنزويلي شافيز ليهدي رئيس الولايات المتحدة الأمريكية كتاب “الشرايين المفتوحة لأمريكا اللاتينية” للكاتب الأوروغوايي الشهير إيدواردو غاليانو والكتاب يتناول استنزاف ثروات أمريكا اللاتينية بين القرن الخامس عشر و القرن العشرين, وبتلك الهدية أكد شافيز على حاجة اوباما لقراءة الكتاب ومعرفة الكثير لنسج علاقات أفضل مع جيرانه الجنوبيين .و لا يستغرب هذا الموقف على الرئيس الفنزولي فمنذ توليه السلطة كان أمام شافيز لتحقيق مصالح بلده خياران لا ثالث لهما الأول أن يسعى لتأمين مصالح الدولة الأولى وهي أمريكا فيسير في ركابها وينتظر مساعداتها الملغومة فيغامر بمصير شعبه وإرادة بلده السياسية وينتظر فتات المؤتمرات كمعظم دول عالمنا الإسلامي والعربي, أما الخيار الثاني فهو تهديد مصالح الدولة الأولى والوقوف ندا لها وبذلك يستقل بقراره السياسي ويصون ثروات بلده ويخرج من عباءة المؤسسات الدولية وآلياتها الاستعمارية. واختار شافيز الخيار الثاني فلم يشعر انه أمام سيده في قمة الأمريكيتين وتجرأ أمام العالم على إهداء رئيس الدولة الأولى كتابا يعد شرطا يملى على خصمه اوباما إن هو أراد علاقات طيبة مع أمريكا اللاتينية فثرواتها ملك لأهلها ولن تبقى نهبا لأمريكا كما كانت على مدى قرنين أو أكثر كما يوثق الكتاب, وبذلك يكون شافيز قد عرف قدره فهو لن يستطيع أن يلعب دورا اكبر في الساحة الدولية لكنه يستطيع أن يحافظ على مقدرات بلده وقد يتعداها لصون ثروات قارته أمام أهل الشمال حتى لا تظل بلاده ساحة خلفية للولايات المتحدة الأمريكية، فإنه وإن حاول حشد التأييد العالمي لأفكاره ومواقفه فلن يحتل موقعا مرموقا في الساحة الدولية تمكنه من تغيير الواقع الدولي والتوازنات العالمية, فتاريخ الثوريين في جنوب أمريكا وطبعهم يؤصل لحقيقة مفادها أنهم لا يملكون رسالة عالمية يسعون لنشرها بقدر ما يملكون سخطا ونقمة على رأسمالية أمريكا وجشعها واستغلالها لشعوب وثروات القارة الجنوبية فهم لم ينحازوا للشيوعية أو الاشتراكية إلا لأن أمريكا تعتنق الرأسمالية وتستعمر الشعوب باسمها وباسم الديمقراطية.ولم يعتقدوا الاشتراكية كمبدأ بقدر ما طبقوها كنظام ظنوا فيه العدالة في توزيع الثروة على الفقراء والخلاص من الرأسماليين المواليين لأمريكا لذلك قد لا يحمل الكتاب المذكور سوى بعض النصائح والرؤى لتحسين العلاقة بين الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية, إلا أن ذلك قد لا يفيد اوباما كثيرا فمشاكله لا تقتصر على علاقته بجيرانه الجنوبيين بل تتعدى نهب ثروات أمريكا اللاتينية إلى نهب ثروات العالم سواء في العراق أو الخليج أو الدول الإفريقية.كما لن يجيب الكتاب المهدى بحال من الأحوال على الأسئلة الملحة للخروج من الأزمة الاقتصادية العالمية والتي تبتذل لها حلول من توليفات غريبة من كتب متناقضة فتارة ينادى بالليبرالية المقيدة وأخرى يتحدثون عن ضرورة تدخل الدولة الرأسمالية ومراقبتها لحركة الاقتصاد في مزيج خطير بين الرأسمالية والاشتراكية.وبالضرورة فان رئيس الدولة الأولى – إلى الآن- لن يجد في الكتاب حلا سحريا لقضية فلسطين والعراق وأفغانستان كما لن يجد تعريفا واضحا للإرهاب يقنع شعوب الأرض به ولا دليلا يوضح معنى العنصرية, أو طريقة تنشر العدل بين البشر, أو رسالة يحملها للعالم بعد سقوط ديمقراطيته كرسالة كانت مبررهم لاحتلال العراق وأفغانستان .ويبدو أن أمام اوباما مهمة أكثر من صعبة ليبقي دولته الأولى في العالم, فالأمر تعدى بعض الحلول المرحلية لبعض القضايا لا سيما إن عجزت كتب الرأسمالية والاشتراكية عن إيجاد حل للأزمة الاقتصادية العالمية وبات الحديث عن خلل في جوهر المبدأ الرأسمالي أمرا باديا للعيان على جميع الأصعدة السياسية منها والاجتماعية.وفي ظل دولة عالمية لم تعد قادرة على قيادة العالم وفقدت بريق رسالتها وانكشف زيف دعايتها يقف العالم حائرا في انتظار نور قد يسطع من تفعيل كتاب من نوع آخر هذه المرة. وتبقى الأمة الإسلامية المرشحة الوحيدة لقيادة العالم لما تملكه من رسالة فيها شفاء لما يعانيه العالم من أمراض باتت تقض مضاجع الشعوب.فالأمة الإسلامية بين يدها كتاب الله بما فيه من أنظمة اقتصادية وسياسية واجتماعية تضمن السعادة والعدل للعالم إن هي طبقتها في دولة وحملتها رسالة نور للعالم الحائر, تخرجه من عبودية الدولار إلى الإيمان بخالق الكون ومن تفرد القيمة المادية إلى سعة القيم الإنسانية والروحية ومن جور الاستعمار إلى عدل الإسلام المشهود به على مر قرون طبق فيه في دولة حملت الإسلام كفكرة عالمية وقد تكون تلك هي الفكرة التي آن أوانها كما يقول فكتور هوغو فالفكرة التي آن أوانها لا يمكن لكل جيوش الأرض أن تقف أمامها، فقد آن لكتاب الله أن يوضع موضع التطبيق وان يتجسد في دولة تهدي العالم نموذجا للعدل والسعادة والنور الساطع من أعظم وأجل كتاب


.د.مصعب أبو عرقوب

الجمعة، 20 مارس 2009

عكا والقدس...والرسالة قصيرة


عكا و القدس والرسالة ...قصيرة
د.مصعب محمد أبو عرقوب

"يا مولانا لا تخضع لهؤلاء الملاعين، الذين قد أبوا عليك الإجابة إلى ما دعوتهم فينا، فإنا قد بايعنا الله على الجهاد حتى نقتل عن آخرنا، وبالله المستعان‏ "، كانت تلك رسالة أهل عكا للسلطان صلاح الدين وقد علموا أن شرط ملوك فرنسا وانجلترا وألمانيا لإطلاق سراحهم بعد سقوط مدينتهم هو تسليم القدس, وفي كتابه البداية والنهاية يواصل ابن كثير سرد تلك الواقعة والثمن الذي دفعه أهل عكا فيقول " أبرزت الفرنجة خيامهم إلى ظاهر البلد، واحضروا ثلاثة ألاف من المسلمين فأوقفوهم بعد العصر، وحملوا عليهم حملة رجل واحد فقتلوهم عن آخرهم في صعيد واحد، رحمهم الله وأكرم مثواهم " .
قد تتغير معالم البلدة القديمة في القدس نتيجة خطة بتكلفة 600مليون شيكل وقد يقام مبنى كبير في ساحة البراق ليستخدم كمركز للشرطة الإسرائيلية، وقد تبنى آلاف الوحدات السكنية في مستوطنة جيلو لتصاحب عمليات هدم بيوت المقدسيين وتوزيع إخطارات بترحيل سكان عشرات المنازل ونبش عظام الصحابة في مقبرة مأمن الله وقد تصبر أم كامل في خيمتها ويهدم آخرون بيوتهم بأيدهم كما فعل شريف عطوان الذي هدم بيته بنفسه لعدم قدرته على تسديد رسوم الهدم, وقد تنصب آلاف الخيام المقدسية, وقد يضيع البعض بحثا عن خارطة الطريق ويموت آخرون تحت الحصار وقد تأتي حكومة وفاق أو تكنوقراط قد يختلفون في القاهرة أو قد يتقاسمون وقد يتحاورون وقد يريحون أو... يستريحون .
قد يحصل ذلك وأكثر لكن الذي لن يتغير هو تلك الرسالة وذلك الصمود الذي يتجسد يوميا في حياة المقدسيين ليتسرب لأدق تفصيلات الحياة لأهل فلسطين, في وقوفهم أمام الحواجز, في صبر أمهات المعتقلين, في أقبية التحقيق في سجون المسكوبية وعسقلان وبئر السبع وعوفر وفي عيون من يتحسر ألما على استباحة الأقصى وعكا وحيفا في "ثلاثة ألاف من المسلمين" حاصروهم، وحملوا عليهم حملة رجل واحد فقتلوهم عن آخرهم هذه المرة.... في غزة.
وتبرق الرسالة مرة أخرى من أزقة المخيمات, من قلوب عائلات تنتظر لم الشمل, من أبناء الشهداء، من بين صفوف العمال ساعات الفجر الأولى يخاطرون بحياتهم من اجل لقمة العيش, من أبراش المعتقلين والعالقين بين المعابر، من تحت ركام البيوت في غزة ومن جرحى القنابل الفسفورية، من القابضين على الجمر من القافزين عن الجدار للصلاة في الحرم القدسي ومن تحت باحات الأقصى في المسجد المرواني مكتظا ليلة القدر بمسيرة البيارق من أهل يافا وحيفا وأم النور والجليل والنقب تخرج ذات الرسالة القصيرة لتسطر حقيقة تاريخية وثقافية لا يتجاهلها إلا من يريد أن يتعامل مع هذه القضية من باب إدارة أزمة وليس إيجاد حل جذري لها , فلن يخضع أهل فلسطين ولن يرحلوا ولن يتنازلوا ولن يبيعوا مهما بذلوا في سبيل ذلك من تضحيات وعلى من يريد حلا لهذه القضية أن يدرك هذه الحقيقية.
فأهل القدس وفلسطين يبعثون برسالتهم القصيرة مرة أخرى لمن يحتفلون بالقدس كعاصمة ثقافية لهم، فالأسرى لا ينتظر منهم أن يحرروا أرضا أو يفتحوا حدودا أمام جموع المصلين لتصلي في الأقصى أو للشعراء ليلقوا قصائدهم على شواطئ حيفا فالقدس لها من هؤلاء أن يصمدوا ويضحوا ما داموا أسرى، ولها العيون والبيوت والقلوب لكنها ليست لهم وحدهم هي لأمة ورجال قد تصلهم تلك الرسالة القصيرة، وسورة الإسراء ليست لأهل فلسطين وحدهم, ومسرى نبيهم وقبلتهم الأولى لا تنتظر أموالا لتدفع رسوما لهدم البيوت ولا قرارات من مجلس الأمن أو إدانة للاستيطان من عواصم شاركت في القتل والحصار, بل تنتظر ببساطة من يحررها ويفتح أبوابها، وبالرغم من قصر تلك الرسالة الحية إلا أن صلاح الدين قد عمل بها وحافظ على القدس, وها هي ذات الرسالة تنطلق من جديد صادقة قصيرة تختصر آلاف الكتب والقصائد ومئات المبادرات والقرارات وتتجاوز في صياغتها أدق الاتفاقيات, وببساطة أيضا إذا استطاع أهل فلسطين أن يبعثوا تلك الرسالة بدمائهم وصبرهم فان الأمة لا شك تستطيع أن ترد عليها فأمة هكذا أسراها لن تنتظر طويلا حتى ترد على الرسالة ولن تعدم رجالا كصلاح الدين.
وفي زمان تبحث فيه قيادات وأنظمة عن الشرعية أمام شعوبها، وتًصدُر بحق حكام مذكرات اعتقال أممية، قد تحمل تلك الرسالة عقد الشرعية بين الأمة وبين من يلبي النداء ويرتفع لمستوى تطلعات أمته وآمال شعوبها ويجدد مجدها ويحرر مقدساتها فينال شرعيته ويستحق أن يقال له كما قال أهل عكا لصلاح الدين : يا مولانا.

د.مصعب ابو عرقوب

الأربعاء، 4 مارس 2009

كلنتون وعصفورين بحجر


كلينتون وعصفورين بحجر
د.مصعب ابو عرقوب
وعدت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون " بأن تقوم الولايات المتحدة بجهود دبلوماسية مستمرة بهدف إقامة دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للاستمرار في الضفة الغربية وغزة وتوفير الأمن والسلام التي تسعى إليهما إسرائيل'' كان ذلك بعد عودة جورج ميتشل من أول مهمة استطلاعية له إلى المنطقة اطمأن فيها على أمن دولة قامت على وعد من بريطانيا فليس غريبا أن تقوم دولة بجانب تلك الدولة على أساس وعد أخر ولكن الوعد هذه المرة من الولايات المتحدة، إلا أن الغريب هذه المرة وصف الدولة الموعودة بالمستقلة والقابلة للاستمرار.
في مقالة بعنوان سقوط حل الدولتين كتب باتريك سيل"إنه لأمر مفروغ منه الآن أن حلّ النزاع الفلسطيني الإسرائيلي عبر قيام دولتَين أصبح ضرباً من الخيال. فالمشروع - هذا إذا كان مشروعاً حقيقياً - ميت تماماً .. حتّى الآن، هناك مساحة أربعين بالمائة من الضفّة الغربية تقوم عليها المستوطنات الإسرائيلية والمناطق العسكرية المقفلة والمحميّات الطبيعية والطرقات المخصصة للإسرائيليين فقط والجدار الفاصل المشيّد في عمق الأراضي الفلسطينية. أما الجزء المتبقي من الضفة فمُقسم بإقامة مئات الحواجز. وقد أصبحت القدس الشرقية العربية، أي قلب فلسطين العربية، مفصولةً بشكل كامل تقريباً عمّا تبقى من الضفّة الغربية بحلقة من المستوطنات اليهودية" هكذا يصف الكاتب البريطاني المتخصص في شؤون الشرق الأوسط الواقع الذي يعيشه أهل فلسطين يوميا أمام الحواجز التي يقف عندها الجميع منتظرا إيماءة بالمرور من أصغر رتبة في جيش الاحتلال, يعيشون تحت سماء تصول وتجول فيها طائرات لا أظنها لأهل فلسطين المحاصرين ببحر تمخر عبابه سفن ليست لهم فهم في العراء لا يملكون شيئا فالأموال لإعادة الإعمار تنتظر إذنا من الرباعية لصرفها أو مؤتمرا ليحدد شروط دفعها وطريقة توزيعها حتى الرواتب تخضع لشروط سياسية وإملاءات أقل ما يقال أنها سيادية، فنوع الحكومة ومدى تقيدها بالاتفاقيات المبرمة يحدد مصير الراتب أو العكس ,وعلى هكذا أرض وتحت هكذا سماء وعلى شواطئ هكذا بحر وفي ظل هكذا اقتصاد لا وجود لاستقلال دولة . إلا أن هيلاري كلينتون تعد بدولة مستقلة وقابلة للاستمرار بمنطق تتضح معالمه من تصريح أخر تبع هذا الوعد حيث قالت سيدة الدبلوماسية الأمريكية في جولتها الأسيوية و أثناء لقائها بطلاب جامعة طوكيو " أن واشنطن تسعى لتجنيد المسلمين في العالم كله للتصدي للمتطرفين", .قد تكون هذه هي الضمانة أو الثمن لاستمرارية الدولة أو حتى بعض الدول ,
فقد جرت الأعراف الدولية على تسمية المجندين لحرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل بالمرتزقة الذين يتقاضون أجرا على خدماتهم أو دولا وممالك على مقاسهم , وهكذا قد تتصور كلينتون بعبقريتها أنها اصطادت عصفورين بحجر
نجحت في تجنيد نخب حاكمة لحربها و أعطت وعدا بإقامة دولة قد تنفس بعضا من الاحتقان في المنطقة.
بيد ان هذا التصور يبقى خياليا ومضطربا بكل المقاييس فالاعتماد على المرتزقة بلا فائدة وخطير كما يصف ميكافلي في كتابه الشهير الأمير معللا ذلك بقوله "وسبب ذلك أنهم لا يجدون دافعا يدفعهم للبقاء في الميدان سوى الأجور الزهيدة التي لا تجعلهم على استعداد للموت من أجلك, فهم مستعدون أن يكونوا جنودك طالما أنك لن تقوم بحرب, ولكن عندما تبدأ الحرب, فإما أن يفروا أو يرحلوا معا" , وفي عالم بدأت تتهاوى فيه فكرة الدول الإقليمية الضيقة وترسخ في الأذهان عدم فعاليتها وقدرتها على تحقيق آمال شعوبها أو صون كرامتهم أو استعادة حقوقهم فلا جورجيا استعادت أوستيا الجنوبية بارتمائها في أحضان أمريكا ولم تنعم باكستان بالأمن بتحالفها مع واشنطن وتكابد الدول الإفريقية الفقر والجوع وإن استضافت القواعد العسكرية والشركات العابرة للقارات و لم تتحقق نبوءة هونغ كونغ الشرق الأوسط ولم تستطع الممالك الشقيقة إيقاف الرصاص المصبوب على رؤوس إخوانهم في غزة, أمام هذه الحقائق فقدت الأمة التي تريد كلينتون تجنيدها، الثقة بهذه الدول العاجزة وانفصلت في مظاهرات مليونية عن أخر ما يربطها بتلك النخب الحاكمة وأنظمتها وقد تكون التحولات الجذرية قد بدأت في المياه العميقة لتطفو قريبا على السطح حينها قد نشهد فرار البعض أو رحيلهم كما قرر ميكافيلي.
قد يكون أمام السيدة كلينتون المعروفة بإيمانها بالدبلوماسية الشعبية في زيارتها الأخيرة للمنطقة فرصة أن تتيقن أننا لسنا بالعصافير وفلسطين ليست يتيمة , وأمة لها حضارتها وتهيم شوقا للصلاة في قدسها قد سئمت ممالك تقسمها وتمنعها من تحقيق أمالها في التحرر والعيش في ظل دولة واحدة لها الأرض والبحر ويرضى عنها ساكن السماء.

د.مصعب ابو عرقوب

الأربعاء، 28 يناير 2009

اوباما والمعجزة


اوباما ...والمعجزة

د. مصعب ابوعرقوب


في زيارته الاخيرة للقدس وقبل توليه منصب الرئاسة وصف اوباما اسرائيل بأنها " معجزة تكشفت" منذ اعلان قيامها قبل 60 عاما.
قد يفهم هذا الوصف في سياقه اذا كانت المعجزة في فهم اوباما خرق للمنطق وكسر للقواعد العسكرية و محو للحقائق التاريخية, فنظرة سريعة على الخارطة الجيوسياسية للمنطقة تظهر اسرائيل دولة صغيرة محاطة بالاعداء احاطة السوار بالمعصم وبشعوب ترحل عيونها كل يوم الى القدس وتغلي غضبا لغزة ولكل قطرة دم تسفكها قنابلها الفسفورية ,دولة استطاعت منظمات شبه عسكرية اخلاء معظم سكانها في الشمال والجنوب تصمد لاكثر من ستين سنة شئ غير منطقي ولا يمكن تفسيره ظاهريا الا ...بالمعجزة.
بعد حرب تموز " نشر جيفري غولدبيرغ مقالاً بمناسبة مرور ستين عاماً طرح فيه على نفسه وعلى اسرائيل أسئلة كبيرة. ومن هذه الأسئلة:"هل تستطيع إسرائيل البقاء لستين عاماً أخرى في هذا الجزء من العالم الذي تنهض فيه كل أشكال المقاومة ضدها؟ وكيف يمكن لإسرائيل تحقيق الازدهار إذا كان جيشها لم يستطع هزيمة مجموعات صغيرة من المقاتلين الذين يطلقون الصواريخ؟ "و تبدو لا منطقية هذه الدولة واستثنائية وجودها في تصريحات ساستها و إصرارهم المستميت على الاعتراف بهم ، وهو ما لا تفعله الدول الطبيعية في محاولة منهم للرد على الطعونات المتعلقة بشرعية نشأة "إسرائيل" وأحقيتها بالبقاء. كما تظهر عجائبية تلك الدولة في تأكيد قادتها دوما على أن القدس عاصمتهم الأبدية وهو ما لا تفعله اي دولة طبيعية فلو قام رئيس وزراء اليابان يوما بالتأكيد على ان طوكيو عاصمة لليابان فسيكون مثار سخرية وتندر , ويضاف الى ذلك صراخ قادتهم امام العالم وقولهم بوجود من يهدد دولتهم بالإزالة ,وأي دولة طبيعية في العالم تفكر بهذا المنطق ؟فلم تدعي كوبا مثلا أن أمريكا تريد إزالتها من الوجود بل ولم يخطر في بالها هذا مطلقا. و إصرار "اسرائيل " على ضرورة دعم الغرب لها لاستمرار وجودها يعطي الحق لاوباما لوصفها بالمعجزة ,فكيف له ان يفسر نشوء دولة على اساس وعد من دولة اخرى لا تملك الارض وكيف يفسر خاتمة حرب 73التي اجتاز فيها الجيش المصري قناة السويس واقتحم خط بارليف وانتهت بمعاهدة كامب ديفيد التي حفظت امن تلك الدولة من جهة مصر حفظا كاملا تاما..اليست معجزة؟ كيف لباراك حسين اوباما ان يتصور نهاية حرب 73 في سوريا التي سيطر جيشها في بداية الحرب على منخفضات طبرية وما حولها وكانت خاتمة ذلك اتفاقية الجولانوالتي حفظت امن "اسرائيل" في الجولان على الرغم من انها لا زالت تحتلها حفظا امنا مطمئنا ...اليست معجزة؟ وعلى ارض معركة الكرامة وقعت معاهدة وادي عربة وحفظت حدود "اسرائيل" من جهة الاردن وتوالت المعجزات فبعد حرب لبنان2006 والتي دكت فيها صواريخ المقاومة ما بعد حيفا كانت خاتمتها القرار1707 الذي حفظ امن الدولة "المعجزة" في جنوب لبنان لدرجة ان جبهة الشمال بقيت باردة رغم المجازر في غزة. وها نحن امام المواقف البطولية لاهل غزة تنتهي باتفاق امني بين اسرائيل و امريكا يحفظ امن اسرائيل في اعالي البحار ومنخفضاتها ثم يتبعه مؤتمر شرم الشيخ العربي الاوربي التركي ليصوغ نتائج امنية تدعم الدولة العبرية ,وتفرض حصارا تسليحيا على غزة ادهى وامر من الحصار السابق..وبعد ذلك الا يحق لاوباما ان يصف اسرائيل بالمعجزة؟؟؟ الا يحق له ان يتصور ان "حل قضية الشرق الاوسط "ممكن فقد تجري على يديه بعض من تلك المعجزات لتحفظ امن اسرائيل وتطيل في عمرها .
ويبقى امام الرئيس اوباما ان هو اراد "السعي للمضي قدما مع العالم الاسلامي على اساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل" كما ذكر في خطاب التنصيب يبقى امامه معرفة ان امة من طنجة الى جاكارتا لا تؤمن بكل تلك المعجزات وتؤمن بمعجزة واحدة خالدة تلتف حولها و تسعى لتجسيدها في دولة واحدة لتلقف ما صنعوا من "معجزات", فالايام دول ولكل زمان دولة ورجال ويبدو ان كل من هب ودب قد استنفذ زمانه واقام دويلته ,وقد ان الاوان لهذه الامة ان تقول كلمتها وتملك زمام امرها وتوحد صفوفها فالتاريخ والواقع يثبت ان ذلك ليس بمعجزة لامة سطرت عبر تاريخها اروع الملاحم والفتوحات وبمقياس اوباما فقد صنعت اروع ما شهده البشر من معجزات.

الجمعة، 9 يناير 2009

لبيك غزة


لبيك غزة
د.مصعب ابو عرقوب

لم تتعرض غزة لحادث سير مروع أو لزلزال أرضي حتى يكون رد الأنظمة ومن دار في فلكهم إرسال المساعدات الإنسانية والأدوية وفتح المعابر للجرحى فقط..! غزة لمن لا يرى تتعرض لمذبحة وحشية تقطع فيها أوصال الأطفال والنساء في بث مباشر تقشعر له الأبدان,و تقف وحيدة أمام جيش يلهو في سمائها بلا رادع,وفي حالة كهذه فان الرد الطبيعي هو أن تتحرك الجيوش وتنفض عنها هذا الذل وتحرر فلسطين وتنهي هذا الكيان الأكذوبة وتجتثه من جذوره استجابة لأمر الله وثأرا لأطفال غزة .
قد يرى البعض أن هذا الرد خيالي وليس بعملي ويروج لهذه الرؤية فريق يطالب بأقل القليل لنصرة غزة وأهلها جاهلين او متجاهلين للحقائق التاريخية والشرعية .
فتاريخيا هل اكتفت أوروبا والولايات المتحدة بإرسال المعونات الإنسانية لفرنسا عند احتلال ألمانيا لها ؟ أم قامت بالإنزال الشهير لقواتها على ساحل نورماندي وبذلك تحررت فرنسا ساركوزي.!!
ألم يسمعوا عن حصار ستالينغراد ؟ هل اصطف الروس في طوابير للتبرع بالدماء والغذاء واكتفوا بذلك؟ ألم يقيموا سكة للقطار على نهر الفولغا المتجمد وسيروا جحافل جيوشهم على أنهر وبحيرات متجمدة ليفكوا الحصار ويحرروا الديار!! هل توسل الفيتناميون لمجلس الأمن أن ينهي احتلال أرضهم؟ أم حرقوا الأرض تحت أقدام الأمريكان!!
هل هذه حقائق أم خيال ؟؟ لماذا عندما يكون الأمر متعلق بالمسلمين فان التحرك الطبيعي يصبح خياليا وغير منطقي؟؟ في حين أن تاريخنا زاخر بأروع الأمثلة في التحرك وصد كل من تسول له نفسه الاعتداء على حمى المسلمين وحرماتهم, بدءا بنبينا محمد ومرورا بالفاتحين والمحررين وليس انتهاء بصلاح الدين وغيرهم من الأبطال. وإذا كان الدافع لتلك الشعوب وطنيتها أو حبها لأرضها أو مصالحها ورغبتها في العيش بسلام فان الأمة الإسلامية تدفعها العقيدة الإسلامية والأحكام الشرعية التي توجب عليهم نصرة المظلوم كوجوب صلاتهم وزكاتهم بل وتضمن تلك العقيدة لهم إحدى الحسنيين النصر أو الشهادة فلماذا يطالب البعض بأقل القليل ما دامت الحقائق التاريخية والشرعية تشير إلى أن الأمم لم تتحرر بالاستجداء من مجلس الأمن أو بالتعاطف وإرسال الأغذية، وتكشف تلك الحقائق وجوب نصرة المسلمين لإخوانهم وأن الأمة الإسلامية حاضرة دائما لتسطر تاريخا من المجد والعزة, ألم تسطر حطين وعين جالوت وتموز, فلماذا نمنعها من تسطير صفحة أخرى ونطالبها بأقل القليل؟؟
فالأصل على ضوء تلك الحقائق أن يكون اقل القليل تحرير فلسطين وإنهاء هذا الكيان مرة واحدة وإلى الأبد, فالأمة أمامها الكثير بعد ذلك لتأخذ دورها في العالم كخير أمة أخرجت للناس حاملة رسالة الإسلام للبشرية لتنعم في ظل أحكام الإسلام وتخلص الإنسانية من ظلم الرأسمالية الجشعة.
لتنزل الأمة إلى الشوارع لا لتنفيس الغضب والمطالبة بإرسال المساعدات والبكاء بل لمحاصرة قصور الحكام والمرابطة أمامها حتى يحركوا الجيوش أو تتحرك الجيوش فتخلعهم ألم يرابط شعب أوكرانيا أسابيعا في الشوارع والثلج والسقيع يلفح وجوههم حتى نالوا مرادهم؟؟ , فإذا كان أهل غزة يتلقون القنابل والصواريخ ولا تجد منهم إلا ما يرضي الله فان الشعوب تستطيع أن تتلقى الهراوات والغاز المدمع والرصاص لأيام, وإذا كان أهل غزة فقدوا المئات فان الأمة يجب أن تكون مستعدة لدفع ثمن عزتها وتحررها فالموت في غرق عبارة أو في انهيار بيت أو في حريق قطار أو تحت أقدام المهرولين لاستلام الخبز ليس بأفضل من الموت أمام قصور الحكام طاعة لله حتى لا تطالنا دعوات أهل غزة على المقصرين في نجدتهم, أما الجيوش فلا يجب أن تنتظر أحدا فالحدود تفتح بأيديهم فإخوانهم في غزة كتيبة محاصرة وعدوهم جبان يقصف من السماء يرتعد على الأرض, فالطائرات والصواريخ والمدافع إن لم تستعمل الآن فمتى تستعمل؟؟ فنصرة غزة نصرة للإسلام في نفوس الأمة ,هكذا تنصر غزة فهي حمى الإسلام وحمى الإسلام يدافع عنها بالجماجم ولا غير الجماجم فلبيك غزة.. الم يقل الشاعر:
لبيك أسلام البطولة كلنا نفدي الحمى لبيك واجعل من جماجمنا لعزك سلما؟؟؟ د.مصعب ابوعرقوب

السبت، 30 أغسطس 2008

جورجيا بين مخالب الدب وعنجهية الصياد


جورجيا بين مخالب الدب وعنجهية الصياد

د. مصعب محمد أبو عرقوب



يحكى أن القدماء اصطادوا الدب بنصب مصيدة له حتى يقع فيها فيجهز عليه الصياد,فان فشلت هذه الطريقة يضطر الصياد لإطلاق كلابه تنهش الدب وتدميه في معركة شرسة قد يفقد فيها الصياد بعض كلابه منتظرا حتى تخير قوى الدب ليقترب منه ويسدد له الطعنة القاتلة , وقد فشلت "مصيدة الدب في أفغانستان " في الإجهاز على روسيا والتخلص منها نهائيا كدولة مستقلة السيادة وكقوة عسكرية عظمى يحسب لها ألف حساب, بل انها عادت تبحث عن دور لها في الساحة الدولية مصحوبة بناستالجيا لماضي الاتحاد السوفيتي التليد. فكان لا بد للصياد الأمريكي بعد فشل المصيدة من استخدام الأسلوب الثاني ,وهنا تقدم الرئيس الجو رجي أحد أبطال الثورات الملونة والمتعجل للانضمام لحلف الناتو واستعادة اقليمي اوستيا الجنوبية وابخازيا وانطلق ليهاجم روسيا في مغامرة خاسرة بمصير شعب متكئا على وعود الصياد فوقف والمعركة دائرة متسائلا في مقالة له في" الواشنطن بوست":" اذا لم يكن الغرب معنا الآن فمع من يكون؟ واذا لم يتم توضيح الخطوط الآن, فمتى سيتم ذلك؟"فلم يجد إجابة عملية لاستغاثته , فالصياد منشغل بطرا ئد أخرى واقتصرت نجدته على إطلاق بعض "حلفائه" في وجه الدب الهائج فتدخلت أوكرانيا مهددة بمنع سفن أسطول البحر الأسود الروسي المشاركة في النزاع مع جورجيا من العودة إلى مرفأها في سيباستوبل جنوب القرم, واندفعت بولندا لتوقع معاهدة الدرع الصاروخي مع الولايات المتحدة الأمريكية علها تطوق الدب وتخيفه.

وبما" ان الحرب هي سياسة بوسائل أخرى " كما قال كارل فون كلاوزفتش فان رغبة جورجيا بالانضمام إلى صفوف حلف الناتو- الذي يضمن في اللحظة التي يتعرض فيها عضو في الحلف للهجوم فان جميع الأعضاء يهرعون لنجدته- هي رغبة بمثابة حلم وردي من ناحية جورجيا أما من ناحية بقية أعضاء الحلف فانضمام جورجيا إلى صفوفه- خصوصا بعد هذه المعركة- من شأنه أن يكون كابوسا" , فسقط حلم الانضمام للناتو مع اول قذيفة روسية وابتعدت اوستيا الجنوبية وابخازيا عن جورجيا بعد اعتراف الكرملين بهما كجمهوريتين منفصلتين على غرار استقلال كوسوفو كما يبرر الروس!

ولا يعول على "حلفاء" الصياد في نجدة جورجيا فاوكرانيا وان عاشت ثورة برتقالية سبقت وردية ساكشفيلي فإنها سلافية العرق , تربطها بروسيا روابط اقتصادية وثقافية قوية واعتمادها الكلي على الغاز الروسي يبقيها في خوف من شتاء بارد إن هي أغضبت جارتها الكبيرة.,اما بولندا فهي اصغر من ان تهدد دبا ويبدو انها لم تتعلم شيئا من الحرب العالمية الثانية ففي ليلة واحدة من ليالي تلك الحرب الطويلة احتلت بولندا وقسمت بين النازيين والسوفييت.

وهكذا علقت جورجيا بين عنجهية الصياد وعدم اكتراثه بـ"حلفائه"ومخالب الدب الذي سئم استهانة الصغار به وضاق ذرعا بالعابثين بفناء بيته....إلا أن الصياد لم يخسر شيئا فهو يستنكر ويأسف ويهدد ويقف بعيدا عن المعركة التي ستستنزف طاقات الدب الروسي وتشغله مدة طويلة عن تطوير ذاته واستعادة هيبته ونفوذه, وكما في عالم الإدارة فالأزمة في عالم السياسة تعني الفرصة والخطر فان روسيا ميدفيديف-بوتين تحاول أن تجعل من هذه الأزمة فرصة لإبراز قدرة الاتحاد الروسي على المحافظة على وحدته وسيادته ووضع حد للطامعين في ثرواته ,وهو أقصى ما يمكن ان تتمناه روسيا اليوم من هذه الأزمة فهي غير مرشحة للعب دور عالمي مهم لان ذلك يقتضي حمل رسالة للعالم وهو الأمر الذي تخلت عنه روسيا بتخليها عن المبدأ الاشتراكي الذي حمل لواء تحرير الشعوب من الامبريالية والبرجوازية,فبات خطر اندلاع حرب باردة جديدة مستبعد لغياب حرب الأفكار بين الرأسمالية والاشتراكية كأحد أهم معالم تلك الحرب.,و بقي الصياد متفردا بالعالم حاملا لواء " الديمقراطية ونشر الحرية " كقناع لطغيانه وأطماعه التي لا حدود لها في ظل غياب دولة مبدأيه ذات رسالة إنسانية تخلص البشرية من شرور الصياد وأنانيتها ولعل المرشح الوحيد لحمل هذه الرسالة للعالم هي الأمة الإسلامية لما تملك من ثروة فكرية ومادية و مبدأ إنساني يضمن العدل والرحمة للبشرية, ففي عالم تسوده شريعة الغاب وتلعب فيه الدولة الأولى دور الصياد تسقط فيه نظريات الدول الإقليمية الضيقة وتتهاوى فيه مصالح الشعوب الصغيرة , لا بد لامتنا من تفعيل مشروعها الحضاري وتوحيد شعوبها تحت قيادة مبدأيه واحدة حتى لا تبقى دولنا سهما او طلقة في جعبة صياد أو تقع فريسة تحت مخالب دب.


الجمعة، 8 يونيو 2007

في انتظار المكافأة السياسية!!!

في انتظار المكافأة السياسية!!!

د . مصعب محمد أبو عرقوب



في كتابه الأخير "فلسطين سلام لا تفرقة عنصرية"يصف الرئيس السابق للولايات المتحدة الأمريكية جيمي كارتر سياسة واشنطن بالغريبة فيقول إن:"أحد المعوقات الرئيسية لإحراز تقدم هو سياسة واشنطن الغريبة والتي تقضي بان الحوار على القضايا محل النزاع ...هو امتياز لا يمنح إلا كمكافأة للسلوك التابع والمطيع".

وبحسب هذا الفهم للسياسة الأمريكية فان تحقيق مصالح أي دولة أو نظام أو حتى مجرد الحوار على تلك المصالح لا يتحقق إلا" كمكافأة للسلوك التابع والمطيع" ,فأمريكا الدولة الأولى وسيدة الموقف الدولي.

ويبدو أن الأنظمة وبعض الحركات في العالم العربي لا ترى سوى هذه الطريق لتثبيت وجودها وتحقيق مصالحها الشخصية....فتجدها" تابعة مطيعة" في "مبادراتها", وحربها... ضد "الإرهاب" ,وفي رؤيتها لحل قضايا المنطقة, بل "تابعة مطيعة" في وضع مناهجها الدراسية وفي علاقتها مع شعوبها.,راهنة بذلك سياستها الخارجية والداخلية للدولة الأولى ,فأصبحت بذلك غريبة عن شعوبها,لا وزن لها في السياسة الدولية , لا هم لها سوى تثبيت وجودها في السلطة وهو "امتياز لا يمنح إلا كمكافأة للسلوك التابع والمطيع "فأمعنت في تبعيتها وتبديد ثروات أمتها في انتظار تلك المكافأة السياسية, حتى أضاعت مصالح شعوبها واستعدتهم عليها وأفقدتهم الثقة بها, فلم تعد الشعوب ترى فرقا بين مصالح أمريكا و مصالح حكامها فهي متطابقة حتى في الشكليات.

إلا أن هنالك دولا ترى طريقا آخر لتحقيق مصالحها.فتسعى لتأمين مصالح الدولة الأولى لعلها تحصل على مكاسب جراء تأمينها ومسايرتها, وهذا ما فعلته كل من إسبانيا وإيطاليا عن طريق مسا ندتها لأمريكا في احتلالها للعراق,وسلوك هذه الطريق "مغامرة حمقاء بمصير دولة",فما الذي يمنع الدولة الأولى من المساومة على هذه المصالح مع أي دولة أخرى؟؟,وما كان مصير الحكومات والساسة الذين رفَضوا نداءات شعوبهم بعدم خوض الحرب, فأين ازنار وأين برلسكوني ؟؟

أما شافيز فقد اختار طريقا آخر لتحقيق مصالح شعبه ,فتمرد في سلوكه وخرج على الدولة الأولى واضعا مصلحة شعبه فوق مصلحتها والموالين لها .,فسيطر على شركة النفط الفنزويلية,وفرص قيودا مشددة على التعامل بالدولار, وطور علاقاته مع دول أمريكا اللاتينية وزودها بالنفط بأسعار مخفضة,ويحاول توحيدها في مواجهة السياسية الأمريكية .

لقد برهن شافيز بسلوكه هذا أن هنالك طريقا آخر لتحقيق المصالح غير طريق التبعية والطاعة,وهو الطريق الذي تحرر فيه من التبعية وتسلط الدولة الأولى على شعبه وثرواته ,فعاد للحكم بعد 48 ساعة فقط من انقلاب عليه بفعل ثقة وحب الشعب وإخلاص المؤسسة العسكرية له.واختاره الشعب ثانية في استفتاء 2004 ,وثالثة في الانتخابات الأخيرة ‍‍‍!!!

ولكي نتحرر لا بد لنا من سلوك هذا الطريق فالسلوك "التابع والمطيع" على حد تعبير كارتر لم يأت علينا إلا بمزيد من التبعية والمصائب وفقدان الوزن في السياسة الدولية.ولن يكون ذلك التحرر إلا بوجود دولة تملك مشروعا واضحا للنهضة يقوم على مبدأ تؤمن الأمة به وتثق بمن يطبقه عليها ويحكمها به , فتستعد للتضحية من اجله والحفاظ على وجوده ، عندها فقط نتحرر من التبعية ونستعيد قوتنا وثرواتنا و نفرض رؤيتنا على الموقف الدولي ليقف العالم كله حينها أمامنا ... في انتظار المكافأة السياسية.